في صحبة الشاعر
 

علاء المفرجي


هو باحساس الشاعر المرهف، وانا برغبة الفتى الطامح الى ولوج عالم الادب والثقافة، اصبحنا صديقين، رغم اكثر من عقدين من الزمن تباعد بين عمرينا.
لا ادري ان كان من حسن او سوء حظي ان الازمه في السنوات الاخيرة من حياته في الايام التي كان يعرف جيداً وبحدس الشاعر انها ما تبقى له من رصيد حياته المكتنزة بتجارب ثرة في الشعر والسياسة والصحافة والصداقة ايضاً.
كان هو في صومعته يسمع قبساً من الموسيقى، ويطمئن على قناعته بأن الشعر هو الخلاص الوحيد ويستقبل الاصدقاء الذين وجدت نفسي بينهم نلتقي صباح كل يوم في بيته (الشاعر عبد الرحمن طهمازي، الصحفي المخضرم منير رزوق، المثقف الموسوعي محمد علي السامرائي، الموسيقار الراحل فريد الله ويردي، الدكتور الطبيب نزار المفتي)..     

هذه الصحبة التي قال عنها في احدى رسائله لي (ان عالمنا الفكري والثقافي المحدود يتسع شيئاً فشيئاً عبر هذه المجموعة الصغيرة التي تجمعت بشكل عفوي وبدأت تشترك في الاهتمامات الفكرية بشكل جدي، شعر، قصة، مقالات، سينما، موسيقى... اتمنى ان تتسع فهي نواة رائعة لمجموعة من المواهب المختلفة).
ومن هذه الصحبة تعلمت الكثير، كنت انهل من زادها المعرفي وبمرور الوقت امتلكت الجرأة على محاورتها وابداء رأيي بلا تحفظ وكم كنت سعيدا بأن تجد ارائي صدى لها.
زرع في نفسي ثقة لا حدود لها عندما كنت باستحياء ادفع له اولى محاولاتي في كتابة النقد السينمائي ولم يكن يكتفي بتشجيعي بل كان يأخذ على عاتقه نشرها في الصحف.
كانت الرسائل التي دون بها يومياته الوسيلة التي قهرت شرور الحرب عندما وجدت نفسي في اقصى نقطة من خارطة الوطن جندياً. ومن هناك كتبت له سيناريو الانفال التي كانت تعبث بمصير شعب على طريقة (الكولكس كلان) سيئة الصيت لافاجأ بعد حين برسالة منه مرفقة بقصيدته (السبي) التي ما زلت احتفظ بها بخط يده فيما الرسالة تقول (استطيع ان اغفر لكل انسان، انسى حتى جريمة اليد التي تريد ذبحي لكني لن اغفر.. لن اغفر.. لن اغفر لاصبع واحدة تريد تلويث وطني تريد اغتيال شعبي).
جل ما كان يخشاه هو ان يرحل من هذا العالم قبل ان تتحقق امنيته في ان تنتهي حياته من دون ان يفرغ ذهنه، باختصار ان لا ينطفئ بسبب نضوب الزيت، (العمر لا يكفي) كما يرى لذا كان يعجب من أولئك الذين لا يعرفون كيف يبددون اعمارهم .. فليس ما تمثله من حياته الماضية مجرد رمال انه غابة حقيقية قد يصيبها الجفاف زمناً غير ان اشجارها تظل ضاربة الجذور في الارض، وهو ما يسعف الغصون بالخضرة.
ومن هنا كان يرى في كتابة الشعر عبادة لا يستطيع الهرب من طقوسها السحرية. ومثل كافافي لم يكن الحلم هو في الوصول الى (ايثاكا) بل الحلم كل الحلم هو في شقاء الرحلة صوبها ذلك ان للشقاء وجهاً آخر أفلا تمنح الظلمات التي تملأ النفس ايام الشقاء الوان اكثر بهجة لايام سعيدة خالية، انها تعكس الصورة وتلونها وتندفع الاحلام الى النفس بهيجة ومترعة بالنشوة والتطلع فللشقاء قيمته ايضا وتلك احدى متواليات الحياة او معادلاتها لا فرق.

 

 

 

من رسائل الشاعر
 

5/تشرين ثاني/ 1988
عزيزي علاء
انني اكتب على مهل، فمنذ فترة ليست بالقصيرة ابداً صباحي بكتابة الشعر. لا ادري؟ اهو غريب جديد؟ كلا.. انما هو نزوع الى الانعتاق من هذا الغضب الذي يملأ روحي في كل ما ارى واقرأ واسمع.
اريد ان اترك غضبي، هادئاً او عنيفاً، لا فرق يلذع الاخرين، اريد ان ادفع بهذا الشقاء الذي يحيط بنا الى العراق، اريد ان ادين بشكل كاو وطناً لا كرامة فيه، اريد ان اصنع وجوه الرجال الراكعين بلا سبب.
ان اوتار نقمتي تاتي متضرعة، شاكية، واحياناً عذبة مثل دموع العشاق المهجورين.
ليس هناك أي بديل عن الشعر يا صديقي، انه النافذة الوحيدة وهو طوق النجاة الممكن من الجنون.

هذا عالم تسكنه اشباح الجريمة، ان آلهته الكبرى، هم بشكل لا مراجعة فيه مجرمون اشرون، كذابون، مزيفون!
ان الشعر هو الخلاص الوحيد.
عزيزي علاء
صباح اليوم انهيت المقطع الاخير من القصيدة التي حدثتك عنها.. عن النساء السبايا.. اتدري اني اعاني عذاباً حقيقياً عندما اجد اناملي تخط ابيات شعر كهذه؟ الشعر لا يستطيع للاسف اضافة شيء سوى الاحزان. ما جدوى كل هذا اذن؟!
ستظل مهمتي الاول هي الكتابة واظن اني ادمنت تماماً عليها –الكتابة- الادمان ضروري للرجل يا علاء.. ادمان الخمر او الحب، او الثرثرة، والكتابة نوع من الثرثرة الثمينة، التي لا يجيدها كل الناس، هل يجيدها الشعراء اذن؟
دائماً يكون هناك ما يشغلني، شيء طيب، وغالباً ما تتشوه لحظات هدوئي بعوارض سمجة، سخيفة، عادية ما امرَّ الحياة وسط العاديات اليومية، انها تثير الاشمئزاز والغثيان.
اخذت رسالة من احد الاصدقاء يمضي اياماً في قبرص يحدثني عن النهارات الرائعة والشرب اللذيذ وما لست ادري ولا ينسى ان يقول لي انه سعيد بي وحزين من اجلي.. هذه هي البركات الوحيدة التي يتلقاها صديقك العجوز.. ما اطيب كل هذا؟!
رشدي
20/9/1988
عزيزي علاء
هل تفهم كيف يجد المرء نفسه؟ كيف يعرفها ربما ويمارس معها لعبة الصبر والتدريب الطويل خلال لذة الاكتشاف والارهاق هكذا انا بكل بساطة يا صديقي الفتي.
ان محاولة الاسترجاع، تمثل الماضي، عملية مرهقة ذات دهاليز غامضة، كما لو كنت تقبض على الحلم، ان شيئاً ما ينفلت من الذاكرة رغم متانة السياج يتسرب تماماً كالدفء العابر في ليلة شتوية باردة وحينذاك فيا للكارثة كيف تعيد الوجوه؟ النبرات؟ التماعات العيون؟ كيف تزاوج بين العوالم المختلفة، المظاهر المتباينة لعالم واحد دون ان تفقد الرؤية ولا الوعي انت المؤلف والمخرج واحياناً كثيرة انت الجمهور ايضاً.
30
حزيران 1988    

قصائد
 

"الى علاء المفرجي"


رهان
من يريد الرجوع
فليعد
نحن لم نقطع الان
نصف الطريق
فليعد من اتى دون ماء
وليعد من اتانا، بلا كبرياء
انه الان.
نصف الطريق
نصفه، والمضيق
والصخور التي
دونه قد تسد الطريق        

انه الان نصف الطريق
هنا الرمل يسفو علينا
ليوهن اقدامنا الزاحفة
فمن شاء يقطع بحر الرمال.
وجمر الحريق.
ومن شاء ان يستريح على الرمل
فليحصد العاصفة
موقف
أهٍ
قد تجرحني الآه
ولا ابكي على الشاه القتيل
ويجف الزيت في مصباحي الكابي
فارضي بالفتيل
قد تغاويني فراديس السموات
ولا اقبل عن نخل الفراتين بديل
كلاسيك
(1)
يبس الجرح
فاستفق ايها الكاس،
وخضب اناملي وشفاهي
وافق يا نديم
اسقيك من خافقي الحزن
ومن مقلتي برد الحياة
(2)
يحوك، ولا يدري اذا رحل الدجى
فمن أي خيط للصباح يحوك؟
اذار1990        

 

 

 

السبي
 

رف على بستاننا طائر
فارد جنحيه
وغنى وطار
فارتجفت ساقية وانثنى
غفى وغطى مقلتيه النهار
وساءل الزورق مجذافه
ماذا يقول الطير خلف المدار
قال له النهر
يقول الحذار
ان جهاما عابرا في المدى
عيونه جمر وكفاه نار
سيدفن الاطفال في مهدهم
ويحرق الارض قبيل البذار    

فناح طفل
وشكت ربوة
وان ورد وبكى الجلنار
ولملمت العابها طفلة
مذعورة
لاذت بظل الجدار
اين؟
قال السائق النعسان لا ادري
ورد الضابط المسؤول لا ادري
ومر الليل مر الفجر
وانساحت خيوط الشمس
القت جمرها في الرمل
غابت في جفون الافق
والضباط لا يدرون
والسواق لا يدرون
والاسرى...
وكانت غرفة بالكرخ في بغداد
كانت وحدها تدري ...
تعبت قافلة الأسرى
رويدا ايها الضباط
مهلا ايها الجند، دعونا نستريح
اوقفوا في الظل هذي العربات
ودعوا الاطفال يغفون قليلا
ودعونا في الظلال
ربما تدركنا اخر نسمات الشمال
ربما تلحقنا الريح،
ويأتينا عبير البرتقال
اه ما ابعد وادينا
وما اكرم اعناق السلال
اه ما اثقل هذا القيد يلوينا
وما اقسى خطانا في الرمال
تعبت قافلة الاسرى
وعرى القيظ اكتاف الصبايا
وتمشى العرق الملح على الاوجه
واختض الدم المر باعراق السبايا
وبك يا درب المحال
وبك يا ارض الخطايا
افنحن المشجب البالي
لاثواب الخطايا
ام خطايانا على من يترع الاقداح
من خمر الخطايا
والذي يسبح في بحر الخطايا
والذي يرقص في عرس الخطايا
والذي يأكل من لحم الضحايا
والذي يعلك اجساد السبايا
ويبيع النخل
والانهر
والناس ليبتاع المرايا
ويرى صورته الشوهاء في كل الزوايا
شاهدا للكون مقلوبا
وتاريخا لتاريخ الزوال
من بساتيننا في سفوح الجبال
من مرايا الثلوج
وخضر الربى
والعيون الزلال
من دماء العناقيد
تلتم في الدفء فوق التلال
من دوالي الكروم لشوك الجزيرة
من ظلال المساء
لقيط الظهيرة
من نديف الثلوج ، لرمل الجزيرة
وشيوخ الجزيرة
والمدن الحجرية
جئنا سبايا
وجئنا اليكم عرايا
تجررنا عربات الجنود
وتحرسنا في الطريق السياط
فيا سيدات البلاط
ويا قادة النصر، اني اعيد الهوية
فلت مغنية في البلاط
ولست عراقية
ان رضيتم بان العراق
يمومس نسوته ويبيع الصبايا
لملوك الطوائف
لست عراقية
انني من شمال العراق
ونحن نلوك التراب
ولكننا لا نلوك الخطايا
ولا ناكل العمر لحم الضحايا
ونسرق خبز الضحية
ونطعم اطفالنا السم
لكننا لا نبيع القضية
ولست عراقية
ان رايت العراق
ملاعب للصائدين
ومزرعة للبغايا
هللويا..
هللويا للنصر
هللويا للنصر على هام الفرسان
هللويا للنصر
على احذية الجند يعودون من الساحة
مخمورين بانبذة النصر
على اطفال ونسوة كردستان
هللويا للقادة تنظرهم في القصر الملكي
نياشين السلطان
هللويا للفارس يسبي النسوان
هللويا للطرح المتحدر من اقبية
الميدان
هللويا للشعب النائم في كاروك النسيان
هللويا لجنود الحرس الملكي
على الأسوار ينامون
لحراسة نوم الملك المجنون
هللويا للوطن الصامت
والجرح النازف في قبضة سجان
هللويا للموتى ينتظرون
للاحياء وراء الجدران
للاطفال بايدي الدلالين يباعون
هللويا يا نتريلات البيع لاحذية
الاطفال
وللسيارات واسمدة الانجاب
واوسمة الصدر وافلام التصفيق
وكراسات الخطب العصماء بكل لغات
الأرض
واغلقة الالبومات بكل الألوان
هللويا يا نشرات الاخبار
وتعليقات الصحف اليومية
عن آخر ما ادهش عقل العالم
في نقل المعركة الكبرى
من بهو القصر إلى الميدان
عن اكبر نصر سجله الانسان
في كتب التاريخ وعلم الاحياء
وسفر التكوين ولاهوت الاديان
فرد يجمع مختبرات العلم
ووحي الشعراء وميزان القانون
وتقنية الحرب وفن الساسة والحكام
ونور الله وموهبة الفنان
هللويا...
للنسغ الصاعد في الاغصان
للعشب النابت في النيران
للورد الطالع من فم بركان
للطفل المخبوء بصدر الغيب
وحضن النسيان
القادم من حقل الله لمملكة الانسان
هللويا لوفاض وعمد جرح الأرض
النهران
لو يضحك سعف النخل
وتطفأ نار الايوان..
ماذا أفعل يا وطني
غير الصمت اذا سألوني: من أين؟
أخجل يا وطني
ان بلادا بين النهرين
نامت تحت سرير الحاكم باسم الله
واغمضت العينين
جارية تقتات على الثديين
يقتلني الصمت
واضحك يطفح وجهي بالخجل المر،
وترعف بالدم عيني
بين سمائك مطفأة الوجه وبيني
بين حقولك عطشى للماء وبيني
بين نخيلك محني السعف وبيني
بين عيون الاطفال بلا اباء
وعيون النسوة يبحثن عن الابناء
بين جبينك مخذولاً في عري الصحراء
سد ترمقه عين قتيل
ورمال سوداء
ودماء تملأ نهريك واشلاء
عجبا يا وطني
ان بلادا بين النهرين
لا تعرف طعم الماء
ثم اقبلت،
أهذا انت من اطعمني الخبز
ومن علمني الصبر
ومن الهب اعراقي حبا
وهوى لا يعرف المن
ولا يطلب للعمر ثمن
نبض جرح يتمراك
خفيض الصوت
مخضر الفنن
وطني يا زمن العشق
لقد غادرنا ذاك الزمن
وطني عدت
أهذا الشبح العائد انت؟
لم تجد في البيت مصباحا
ولا قطرة زيت
فتوقفت على العتبة
تبكي وسكت
ضاق مأواك
وجف النهر في واديك
وانسل من العظم الكفن
وتطلعت كما يرنو غريب ورحلت
هاك سل العمر من عمري
ونور الشمس من ضوء عيوني
هاك مزقني وخذ من دم اعراقي
وخل السوط يغريني
ولذع النار في صبح جبيني
ايها الهاجر ابناءك
خذ مني الذي شئت
ودع نبض جفوني
واعد لي ملعب الطفل وينبوع البراءة
واعد للحقل ثدي الارض يرويها
وللنهر وقد اصحر ماءه
واعد للصدر زهو الجرح مخضلا
وللافق سماءه    

*******

تنشر بالتعاون مع جريدة المدى البغدادية، ومحرر الثقافية الزميل قاسم محمد عباس وكاتب الملف الزميل علاء المفرجي

*****

دفاتر