المكتبة العصرية في العمارة :74 عاماً من المعرفة والمحبة

علي سعدون

ما من اديب او كاتب او مثقف في العمارة لا يوجد في قلبه وذاكرته ركن لمكتبتها (العصرية)، ثمة نسيج ما يربطك بجذورك المعرفية الاولى مصادرها واماكنها الملامح الكثيفة التي تشكل الهالة الذهبية لخطواتك الادبية البطيئة والممتلئة غنى ومعرفة وفضاءً ثقافياً ابيض عليك مثلما يحنو على الكتاب والصحيفة، والذي كان يعرفنا من الوجوه قبل الاسماء ومن الاسماء قبل الوجوه.. عندما تتعامل معه لا تستطيع الا ان تحترمه لأدبه الجم ومعرفته التي اكتسبها بحكم سنوات خدمته الطويلة .. في بداية الثمانينيات يتذكر ادباء ميسان الشباب الذين دأبوا على نشر نصوصهم في المجلات الكويتية والعربية او التي تصدر في اوربا، اولئك الذين يأخذون شارع التربية مجيئاُ وذهاباً بإنتظار تلويحة العم (ابو سعد) بوصول الصحف بعد العاشرة صباحاً. انها المكتبة العصرية التي تسعى الى ان تكون النافذة الام والمرفأ الذي لا يكل دائماُ وابداً.. لن ننسى عبارة الشاعر الكبير عيسى حسن الياسري في آخر زيارة له للعمارة قبل هجرته الى ثلج اوربا: انها مكتبتكم وهي واحدة من التكوين الجميل الذي يشكل ميثولوجيا المدينة.. على اية حال ما يزال ركنها في السوق المسقوف مهيباً كعادته وهي تتطلع بعين دامعة الى الخراب الذي طال ثقافة المدينة ومعمارها. التغيير الذي كان ينتظره عشرات الادباء. انها حقاً مكتبتنا التي أسست في 5 / 10 / 1929 وهو تأريخ منحها الاجازة الرسمية، هذه الوثيقة محفوظة فيها الى يومنا هذا وكأنها شاهد على الجذور الثقافية العميقة والتاريخ الطويل الذي يفصح اكثر مما يضمر.. ، اسسها المرحوم الحاج عبد الرحيم الرحماني وتعد اقدم مكتبة في المدينة، بعد هذا ماذا يمكننا ان نقول لأبي سعد وماذا يمكن ان تقول لنا المكتبة العصرية نحن الذين نلامس نبض جدرانها ورفوفها منذ امد بعيد/ تلك الجدران التي احتضنت برفق قصائدنا وحروفنا الاولى قبل اكثر من عشرين سنة.. كم وقف قبالتها العظيم الجواهري الذي عمل مدرساً في علي الغربي وكم وقف مالك المطلبي والعالم عبد المنعم الفرطوسي والبروفسور العراقي عبد الجبار عبد الله الذي اغتالته اسرائيل في الثمانينيات والكبير المهاجر عيسى الياسري وعبد الجبار الجويبراوي وحامد الياسري وكاظم غيلان وجمال جاسم امين وعبد الخالق كيطان وعلي انور الهندي وماجد الحسن وعباس داخل وآخرون كثيرون ربما لا يسعهم فصل في كتاب.. قبل ان اسأل العم ابو سعد تساءلت مع نفسي: هل ما زالت قضية نشر مادة في جريدة مرموقة تشعل صاحبها من رأسه الى اخمص قدميه فرحاً وتحقيقاً للذات الجنوبية المسحوقة بفعل السياسات الغبية منذ 50 عاماً .. هل ما زال الامر كذلك في وقت صار فيه النشر اتفه من شراء جوارب صيفية رديئة الصنع!.. سياسة التتفيه الثقافي هذه من المسؤول عنها في زمن النظام السابق.. ومن المسؤول عنها الآن.. من يسمي القائمين على النشر الثقافي ومن يسوغ لهم عمليات التخريب الضخمة التي يمررونها بخلط الاوراق البيض بالرمادية والسود بالفاقعة..؟؟ لن يصدق احد ان هذا الامر غير مقصود.. على أية حال كل ذلك تشهد عليه المكتبة العصرية الخالية من الكتب والروايات التي كانت تشبع نهمنا الاول.. ايام كانت القراءة تدفع بك الى شيء بدءاً من جريدة الوقائع وانتهاءً بمجلة سومر لـ (طه باقر)..

حاورت السيد حيدر (ابو سعد) الذي اشرف على ادارتها منذ الخمسينيات، هذا الرجل العصامي الذي يفتخر بأنه عمل بائعاً متجولاً للصحف يجوب المدينة بدراجته الهوائية على امل الحصول على قارئ هنا او هناك.. استطاع ان يكمل دراسته الاعدادية في الدراسات المسائية وينهي الفرع الادبي عام 1966 ولم يستطع اكمال دراسته الجامعية بسبب الظروف المادية وبعد الجامعات عن العمارة.. انه شخص ودود يتبادل المحبة مع قرائه الذين يوفر لهم ما يحتاجون دون ملل، يحيطون به قراء (العشت) مشكلين حول مكتبه زحاماًُ شديداً.. انه كتبي بحق.. اسأله بعد ان ادعو له بالعافية وطول العمر: ان موقع محلك يصلح لممارسة اعمال تجارية اخرى قد تدر عليك ربحاً اوفر فيجيبني: لا استطيع ان اترك عملي ولا افكر في أي عمل آخر.

وعندما اشير الى ان المكتبة خالية من الكتب وصارت محلاً للقرطاسية وبيع الصحف فيتأمل ويجيب: (يا ولدي انه الزمن.. فالكاتب كان ممنوعاًُ ولا تستطيع ان تتداول كل شيء وقائمة الممنوعات تطول ومثلما كنت اخاف على نفسي فإني اخاف على القارئ فإضطررت على الاقتصار على بيع الصحف والقرطاسية مع البعض القليل من الكتب وان شاء الله ستستعيد المكتبة عافيتها في العهد الجديد!.. ) يقول ذلك ويشير الى غلق المطبعة الرحمانية منذ وقت بعيد بسبب مضايقات الامن ايضاً.. ابو سعد ذاكرة المدينة وعندما اقول ذاكرة فإنني استحضر على الدوام اطلاعه على مجمل ما يكتب قدر توفر الوقت واهمية المادة.. اتذكر احياناً انه كان ينبهنا الى اهمية بعض الاصدارات وكنا نأخذ برأيه ونعرف بعدها مدى جدية ومعرفة هذا الرجل.. احاول ان اعرف  ابرز جلساء مكتبته فيقول ان القائمة طويلة وعندما الح في السؤال يجيب: (نعم يبقى في الذاكرة من له حدث معين، فما زلت اذكر الشاعر الكبير الجواهري الذي كلفني ان اجلب له القراءة الخلدونية ليعلم الاطفال القراءة والكتابة عندما كان في منطقة علي الغربي.. ومن جلساء المكتبة العلامة الشيخ عبد الجبار الساعدي الذي نشر قصيدة غزل في المكتبة ونشرها في جريدة العدل النجفية في حينه.. وبقي في الذاكرة من استشهد من المثقفين ومن هاجر منهم خارج العراق (الرحمة للشهداء ) والشكر والتقدير لأصدقائنا في المهجر الذين يبعثون لنا التحيات وبعضهم زار المكتبة عندما زار العراق ومنهم قاسم السهلاني عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة لقد جاءوا الى العمارة بشوق ولهفة وهم يسلمون علي بحب وشغف وبذكريات الوفاء، انهم كثيرون بعضهم تألم حين راى المكتبة خاوية وخالية وتذكر الكتب التي اشتراها مني ولكني بعثت فيهم الامل على اعادتها بهمة اكبر بعد ان ازيلت الغمة عن الوطن ). وعندما سألته عن الكتب الاكثر رواجاً يرد علي بلباقته المعتادة: (الآن وسابقاً كانت الاولوية للكتاب الديني وقد حققت كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر في حينها المرتبة الاولى (فلسفتنا، اقتصادنا، الاسس المنطقية للاستقراء) ثم جاءت بعدها كتب الدكتور علي الوردي، ثم الكتب الادبية بمختلف انواعها). بقي ان اشير الى ان العم ابو سعد يقوم بعرض كتب ادباء وكتاب المدينة وبيع مؤلفاتهم بلا مقابل وبمحبة فائقة .. ابو سعد او المكتبة العصرية المنتصبان في صدر السوق المسقوف.. كشاهدان على ثقافة هذه المدينة وتاريخها المعرفي والفكري الهائل.. ماذا يمكنني ان اقول لهما.. وما الذي يمكنهم ان يقولوه ازاء هذا الوجع الذي يدفع بالمدينة كلها تاريخها ووقائعها المعرفية الى منطقة ذهبية في الذاكرة.. هل يمكنني الآن ان اسمي المها واقترح عليها املاً قادماً.. ربما.. هكذا ننظر الى ميثولوجيا المدينة او المملكة كما يشير التاريخ البهي لها وهي توغل بالمحبة والفكرة والشعر..

اترك المكتبة العصرية الام وادخل سوق العمارة المسقوف - او السوق الوحيد- الذي لا يبعد اكثر من مئة متر عن دجلة الخالد.. السوق العتيق هذا والذي تحتضن اضلاعه بعضها البعض تأكيداً لرسوخ وبقاء وخلود الاشياء العظيمة في العمارة..

 ********

دفاتر