وحيداً في شوارع لم يهجرها عشاقها

في وداع كاظم الزيدي سادن المسرح الشعبي

عبد الخالق كيطان

 1.

لم يكن كاظم الزيدي وجهاً معروفاً في الشارع العراقي... هكذا ظل يواظب على هوايته في عشق شارع الرشيد والباب الشرقي وساحة الطيران.. كان يدرك أنه مؤثر في الخارطة المسرحية العراقية دون ادعاء ودون أن تتلقفه الصحف والمحطات التلفزيونية أو أن يحظى بنظرات الاعجاب التي يستحقها من قبل الجمهور العراقي.. والمسرح أبو الفنون، جامع المهن والمواهب، خلف ستائره يقف المئات من المبدعين، يجيئون ويرحلون بصمت مفجع فيما الأضواء البراقة لا توجه إلا لسيد الخشبة المرئي: الممثل.

كاظم الزيدي كان واحداً من أبرز رموز الزمن الجميل، الزمن التأسيسي، زمن الرصانة لجهة عصامية رجاله ونساءه.. وصعوبة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانوا يعيشون تحت ظلها.. عقود طويلة من الزمن مرت والزيدي يعاصر الأجيال المسرحية، يعمل مع هذا ومع ذاك بصفته الشهيرة مديراً للانتاج. بل أنه تبوأ هذا المنصب في عدة فرق عريقة وشركات كبيرة، وكان ناجحاً في عمله، ومؤثراً بشهادة من عاصروه وعملوا معه وبمعيته، وهم كثر.

2.

مسرح الحدث هذه المرة ساحة الطيران، بالقرب من مكانه الذي قضى فيه العشرين عاماً الأخيرة، ونعني مجمع سينما ومسرح النجاح، وأيضاً مجمع روكسي سابقاً.. المشهد كما يخيل لي تم بالشكل الآتي:

حشد من العراقيين في هذه الساحة المكتظة بالألم والذكريات... بالجوع والأحلام أيضاً... حمامات فائق حسن يبحثن عن فضاء آمن.. وباعة الشاي على الأرصفة يأملون بزبائن في هذا الخوف العرمرم.. كاظم الزيدي يمر بين الحشود متأملاً وآملاً.. كانت هذه الطرقات دليلاً على الخطوات الأولى لأجيال من المسرح العراقي.. كلهم مروا من هنا، قال الزيدي في سره.. وبين لفتة وأخرى كانت الإشاعات تسري مثل النار في الهشيم.. بالرغم منها.. الناس تمشي إلى أعمالها..هكذا اصطاد الانتحاري اللعين لحظته... ففجر نفسه أملاً بالحور العين!! وتناثرت الأجساد في الفضاء... مشهد سينمائي كان الزيدي يحلم بأن يكون من بنات خياله الشخصي.. هو الذي حضر تصوير أغلب المشاهد في أول الأفلام العراقية (فتنة وحسن، الدكتور حسن،أوراق الخريف ...)... ولكن اللحظة الآن حقيقة، فيا للرعب. وتتلقف الأيدي المروعة تلك الأجساد المقطعة البريئة.. واحدنا فقد ساقيه على الفور، وعندما وصل المستشفى كانت روحه قد فاضت إلى السماء... لعلها الآن تشكو ظلم البشر للبشر.. والبشر صنفان كما قال سيد البلاغة: أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، فمن اي البشر هؤلاء المجرمون السفلة الذين صمموا وأخرجوا ونفذوا هذا المشهد الدامي في ساحة الطيران؟

3.

عرفت كاظم الزيدي متأخراً، ذلك بسبب عمري قبل كل شيء، وبالرغم من أنني قضيت معه أقل من 5 سنوات، عندما كان يعمل فيها مديراً للانتاج في مجمع سينما ومسرح النجاح رفقة الفنان القدير محسن العلي، فإني أزعم بمعرفته الموثوقة.. كان أستاذي في الدرس الأكاديمي شقيقه الفنان والمربي الكبير الدكتور عبد المرسل الزيدي.. وقد لحظت في الشخصيتين ذلك الانطواء الأخاذ.. إنهما يبتعدان بقوة عن مراكز الجذب الرسمية بالرغم من كفاءتهما.. وعلمهما.. وتاريخهما.. ورصيدهما الفني الكبير.. يمضيان بقوة نحو عزلة أختاراها بمحض الارادة.. عزلة كانت للكبار في تسعينيات العراق المعاصر شرطاً للنقاء والطهر.. كنت أمر على مجمع النجاح ويستقبلني كاظم الزيدي من باب المسرح ليأخذني إلى غرفته البسيطة.. وهناك يحكي لي قصصاً عن زمن مضى ولكنه ظل عالقاً في ذاكرته.. تجاعيد وجهه تحكي ايضاً.. وكان الدكتور عبد المرسل يستقبلني في شقته في شارع حيفا بالحفاوة نفسها لنمضي ساعتين وفنجان قهوة من أجل الاعداد لمهرجان مسرحي أو ترتيب جلساته النقدية..الرجلان علماني ما لم أعلم.. الرجلان أحببت فيهما ذلك الطهر الأخلاقي.. النادر في هذا الزمان.

4.

الوسط الفني كله يعرف من هو أبو أركان.. ولكنه لم يكن يحظى بالكثير من الوجاهة.. عميد مسرحنا القدير يوسف العاني كان يرى فيه مثال الانضباط.. مثال العشق الصوفي للخشبة وتاريخها.. كان يرى فيه مسرحنا العراقي وقد مر من مرحلة إلى أخرى.. محيط كاظم الزيدي وعائلته ايضاً كان في مسرح النجاح، تلك الحقبة التي كنت شاهداً عليها.. وبالرغم من سمعة المسرحيات الاستهلاكية التي صبغت هذا المسرح وفرقته فلقد كانت ثمة الكثير من الالتماعات.. التماعات شارك فيها نجوم كبار مثل: مقداد عبد الرضا، عواطف نعيم، محمود أبو العباس، ليلى محمد، قاسم الملاك، هناء محمد... يقف خلفهم مخرج موهوب في المسرح الجماهيري هو الفنان محسن العلي.. قدم مسرح النجاح في هذه الفترة العشرات من الأعمال، كان بعضها جريئاً ومبدعاً مثل: الباب العالي.. كما قدم الاستعراضات الناجحة كما هو الحال مع: سيدتي الجميلة.. واحتضن مسرح النجاح فعاليات ثقافية كبرى، كانت تتم بدعم وتأييد مباشر من قبل الزيدي والعلي، وأخص بالذكر تلك الأمسية الاحتفائية التي قل نظيرها في مسرحنا العراقي عندما تم تكريم الرائد الكبير سامي عبد الحميد على هذا المسرح ببادرة من الصديق علي حسين ودائرة السينما والمسرح والفرق المسرحية الأهلية والرسمية.. كاظم الزيدي كان أول من يبارك مثل هذه النشاطات، ولقد سحبناه، أنا وعلي حسين مرات إلى منتدى المسرح، القريب من سينما النجاح من أجل حشد الدعم لمسرحيات الشباب التي كانت تقدم على المنتدى، حتى صار،وفنانون كبار آخرون، من الوجوه المعروفة في المنتدى. ولقد شكى لي غير مرة، كما فعل الفنان محسن العلي، من نية ما كان يعرف بالتجمع الثقافي العراقي الذي ترأسه عدي صدام حسين في ذلك الوقت، الاستيلاء على مجمع النجاح وحروبهما الطويلة والمريعة من أجل الابقاء على هذا المجمع خارج سيطرة عدي... وتلك قصة ثمة من هو أجدر مني لسردها. ما يعنينا هنا هو مثابرة الزيدي وحرصه على أن يظل حراً، حتى ولو كانت هذه الحرية مصحوبة ببعض خيبة الأمل أزاء ما كان يتلفظ به بعض الممثلين على خشبة النجاح من ألفاظ وحركات نابية.

5.

ها أنت إذن أيها المعلم، الطيب، الرقيق، الهادئ تنهي آخر المشاهد في حياتك.. كان مشهداً ضاجاً بالدم والألم.. والقصة لم تنته.. لقد سقط في هذه الحرب القذرة الكثير من المبدعين وكنت أباً لهم جميعاً.. أيها السيد المبجل.. ويا سادن المسرح الشعبي العراقي.. أيها الكبير بنبل الأخلاق وعشق الخشبة.. كنت لنا اباً وصاحباً فأعذرنا من العقوق.. وموعدنا في فضاء لا نهائي.. سرمدي.. عندما تتخلص الانسانية من بقايا البدائية التي فيها ويصبح الانسان عزيزاً مكرماً ونبيلاً.
*******

www.abdalkalikkaten.com

 دفاتر