جمانة حداد
آخات الكتاب

"آخ!"، يصرخ الكتابُ القتيلُ في شارع المتنبي.
هو القتيل لأن الوحش قد غار منه.
لأن عتمةً من مكان آخر انزلقت عليه ونامت.
لأنّ الشجرة أمّه ما عادت تكلّمه كالسابق.
لأن أعقاب السجائر أحرقت جسمه في كل المكامن والزوايا.
لأنه ليس من نهرٍ ليهرب.
لأنه ليس من حبلٍ ليُشنَق.
لأن دفّته اليمنى انصفقت على اليسرى ومعستها.
لأن الكلمات اختنقت بغصّتها عليه.
لأنه تبّاً للجميع تقول لغته من تحت النعال.
لأن الدماء أرخص من الحبر في جحيم بغداد.
لأن الخسارة ضريبةٌ يومية في بغداد.
لأن الحياة لا تحدث طوعاً في بغداد.
لأن أسماء الشياطين كثرت.
لأن الصمت جائعٌ ويركض وراء طرائده.
لأن المتفجرات ألعاب الفقراء النارية.
لأن الموت "فوتوجينيك" في عدسة المصوّرين الأجانب.
لأن الجثث تقرأ أيضاً.
"
آخ!"، يصرخ القتيلُ الكتابُ في شارع المتنبي. وأعداء الكتاب يقهقهون.


"
آخ!"، يصرخ الكتابُ اليتيمُ في بيت عبده مرتضى الحسيني.
هو اليتيم لأن صاحبه الوفيّ قد مات.
لأن من كان يجمع بذور المشمش ويبيعها في السوق ليشتري بثمنها كتباً، طوى كتابه الأخير ورحل.
لأن من كان ينام جائعاً أحيانا لتفضيله الكلمة على اللقمة، لم يستيقظ هذه المرّة.
لأن من كان يحلم بأن تصبح مكتبته الضخمة عروس المكتبات في بعلبك والبقاع، عضّ على جرح حلمه الخائب ومضى.
"
آخ!"، يصرخ اليتيمُ الكتابُ في بيت عبده مرتضى الحسيني. وأعداء الكتاب يبتهجون.



"
آخ!"، يصرخ الكتابُ الخائفُ في معارض الكتب العربية.
هو الخائف لأن الأيدي تمتنع والعقول تستغني.
لأن الجهلة "يكزّون" على أسنانهم ويزمجرون في وجهه.
لأن الورق صعب الهضم ولا يحلّ مكان الرغيف.
لأن الروائيين في بلداننا أكثر من قرّاء الرواية والشعراء هم قرّاء الشعر الوحيدون.
لأن كل عربي يقرأ ربع صفحة سنوياً، تقول الاحصاءات.
"
آخ!"، يصرخ الخائفُ الكتابُ في معارض الكتب العربية. وأعداء الكتاب يفتحون قناني الشمبانيا على قبره.
"
آخ!"، يصرخ المهمَلُ المهدَّد الأعزل العليل. ولا علاج.

joumana.haddad@annahar.com.lb

 النهار البيروتية

دفاتر