من شارع المتنبي واليه..
محمد درويش علي
كان السير
بين ركام وانقاض البنايات في الشارع، هو تذكر الشارع والناس الذين كانوا فيه، تذكر
الاصدقاء الذين رحلوا، والذين ذهبوا الى المنافي مرغمين، والذين
ولدت قصائدهم ورواياتهم وقصصهم في هذا المكان، كان عليّ ان
اتذكر احمد خلف، وهو يضع كتب مكتبته الشخصية امامه في بداية
الشارع، ويعلن عن بيعها ليواصل البقاء في زمن القحط،
والفقر، كان عليّ تذكر حنون مجيد الذي كان يأنف من ان يقول كلمة في غير مكانها،
فكان يبيع الكتب، ويتلقانا نحن اصدقاءه بالترحاب كل يوم جمعة، كان
عليّ أن اتذكر علي مزاحم عباس الذي افنى عمره في البحث
المسرحي،
ولم يحصل على لقمة
تكفيه، فكان يبيع الكتب هو الاخر، كان عليّ ان اتذكر عبد اللطيف
الراشد وهو يجلس القرفصاء امام المجلات والكتب التي نهديها
اليه، ليبيعها ويشتري بثمنها لفة فلافل، كان عليّ ان اتذكر
اصدقائي من باعة الكتب مثل ابو وسام، وابو اشرف، وزيارة مهدي،
وسعيد عبد الهادي واخوته الذين يشكلون مملكة من الادب والخلق
الرفيع، كان عليّ ان اتذكر سليم بائع الروايات الذي هاجر
الى موطن فوكنز، وكان عليّ ان اتذكر جلال حسن بحيائه وادبه
وهو يبيع القواميس والكتب الادبية، كان عليّ ان اتذكر كريم حنش بلهجته
الجنوبية التي لم تستطع شهادة الماجستير ان تغيرها، كان علي ان
اتذكر فخري وصبغ شعره، وعلي خنجر ودأبه في استنساخ كتب
التاريخ، وستار مجيد الذي كان يقدم لي الكتب بالجملة، وجاسم
المحمداوي، وكريم فلسفة صديقي الذي اخذته الجامعة من السوق.
يا ترى هل
نسيت ستار حتيته، وأبا سوران وابا عشتار ومازن لطيف وأبا ربيع وعبود وابا
جمال، واكرم الفلفلي وابا رائد وسواهم من الاسماء هل استطيع نسيان
عبد الخالق الركابي وفرحه الطفولي بحصوله على كتاب، وعباس
لطيف وقصصه العاطفية وعدنان منشد وهمومه المسرحية، وناجي
عبد الامير الذي كان يبحث عن الخلاص عبر هذا الشارع، وعبد
الخالق محمود الشاعر البصري بقامته المديدة، هل استطيع نسيان محمد خضير ومحمد عبد
الوهاب وحسين عبد اللطيف وكاظم الحجاج الذين كانوا يملأون الشارع
بأخبارهم البصرية حينما يأتون لبغداد؟ هل استطيع نسيان محمد
الحمراني وهو يضع اولى خطواته في درب الشعر، يتجول في هذا
الشارع؟ وهل استطيع نسيان جمال جاسم امين وجمال الهاشمي وحسين
الحسيني وجمعة عبد الله، ومحمد ثامر، وكاظم غيلان، ومحمد مبارك
وسعد محمد رحيم.
نعم.. ان لنا في هذا الشارع جذوراً عميقة، هي تاريخنا
الثقافي وتاريخنا الشخصي الذي يمتد
معنا، الى آخر يوم في حياتنا المعلنة والخفية.
********
المدى الثقافي