ميسان اغنية حالمة
حسن عبد النبي
ورد اسم
(ميسان) في المعاجم، فذكرها الخليل
بن احمد الفراهيدي في كتاب العين، وذكرها كذلك
ابن منظور في (لسان العرب)، حيث
ذكر بانها كورة من كور دجلة، او كورة بسواد
العراق.
والميبس، هو: التبختر، والميبس
ايضاً: شجر من اجود الشجر خشباً، واصلبه
واصلحه، تتخذ منه رحال الشام،
وكذلك (ميسان) كوكب يكون بين المعرة والمجرة.
وجاء
ذكر ميسان عند ابن بطوطة في رحلته
فوصفها بانها ارض غمرتها المياه، وملتفة الشجر
وعلى ارضها دارت معركة (ميسان)
وعند ناحية (العزير) بالضبط. (ميسان) اغنية حالمة،
تتوسد ثلاث سواعد: مائية: نهر دجلة
الذي تروض امواجه مجاذيف الملاحين وسواعدهم..
ونهر الكحلاء باقتحامه غابات
النخيل تلتمس حقول الرز حيث سنابلها تحت مناجل
الحصاد،
وساعد نهر المشرح الذي صار قبلة
انسان عاشق وموجه ينساب بين
احضان البساتين، ولميوعة امواجه
ودلالها غناه الفنان (فؤاد سالم) باغنيته الشهيرة
(مثل روجات المشرح ترف ضحكاتك
الحلوة)، حيث كان الفنان يوماً ما جالساً على ضفته في
دار الاستراحة يوم ذاك، وامواجه
ابتهال عزة ودلال ناعم. وميسان فكرة تمازج الالوان
وتألفها، فليلها نظرة هيمى نحو
بستان نخل وهو ينتصب مثل جنود طروادة، ونهارها
اهزوجة الغواني اللاتي يحملن العطر
والمرايا وينشدن (أسمر وين مرب او شارب ماي
عمارة) اهلها طيبون، طيبهم من طيب
العراق، وشعبه الغيور..
احدثك عن ميسان:
هي
ربيع مواسم، ابوابها مفتوحة
للضيوف، فالابتسامة تعلو شفاهم عند ملاقاة قاصديهم، وفي
مضايفهم تستيقظ الحياة.. اعراسهم
فرح كبير يطرز بيوت الجيران والخلان اكثر مما يطرز
بيوت العرسان، الخطبة تقوم على
الود العذري، فتتألق بينهم شمس الافراح قطرات اشعاع
من نوافذ البيوت، ثم تروح الصبايا
الغانيات وكانهن ورد ونوار نثرتها يد الله في كل
جانب..
فللاعراس افراحها واغانيها،
وتشميرة النساء بعباءاتهن اروع لوحة رسمها
فنانو الازل، اصواتهن كرنة البلور
وهن يغنين: (فوك المية انحط ميتين ادلل خوية
ادلل) ويمر موكب العرس والحلوى
تتناثر من كل بيت، انها ساعات لذيذة وسعادة تستوعبها
النفوس..
وترفل ميسان بثوب نرجسي مندى
بالعطر فيمر ذلك العطر المندى على اذيالها
المفوفة بالفتوة والرواء.. وشتاء
ميسان مشتى دفء وحنان تغازل اهوارها اسراب الطيور
من (الخضيري، وام سكة، والحذاف،
ودجاج الماء...)
يعود الصيادون صباحاً بكنز وفير
من الصيد..
ونسوة ميسان تفنن في طبخ اكلات
شهية من الطيور (المرق، والتطبيق،
والحمس).
وعندما يفتح الزمن للربيع نافذة
خضراء تنساب زوارق صيد الاسماك بطرقها
المعروفة (الشبكة والفالة،
والحجز..) وكم هو لذيذ سمك ميسان! والذ ما فيه السمك
المشوي مع خبز التنور الطيني
الحار، وتفنن النساء كذلك بتجفيف الاسماك وخزنها، ثم
عمل اكلة منها تسمى (المسموطة).
اما مواسم الحزن.. -وابعده وايانا الله عن ذلك-
فالكل يشمر عن ساعده وقوفاً مع اهل
المصاب، ومجلس الفاتحة يقام، والطبخ يدور من بيت
الى بيت من قبل الجيران، والموائد
(السفرات) تمد واهل المتوفى بعيدون عن اقامة
(السفرة) في وقتها المحدد، انه طيب
ما بعده طيب، وسخاء ما بعده سخاء، ما له
نظير..
وهكذا تظل ميسان بذرة سقطت على
القمة، فاحتضنتها تربة خصبة، وتظل بدراً
يبزغ من وراء ذوائب النخيل ليغمر
وديانها باللجين الصافي ودنيا عراقنا الحبيب من
شماله حتى جنوبه
*******