الحياة مع الموت في هذا العراق

د. سهام جبار 

نحن أمهاتُ العراق وبناتُه، على أكتافِنا علاماتٌ من رصاصِهِ، وفي قلوبنا لهفةٌ للنوم في ترابهِ ذات يوم بلا ديون.

أنا ابنةُ عامل فرن بسيط قضى حياته يعمل ما خلا أسبوعين قبيل وفاته حين سقط في فرنه بسبب من جلطة في الدماغ، لقد نفدتْ قواه بعد ان أعطى كل ما في هذه القوى أولاداً وبنات وخبزاً.. خبزاً بعدد الأفواه الجائعة كل يوم.

وأنا على هذه الخطى أعطي عدد الطلاب الطالعين كل عام الى صفوف الرابع حقهم من درس النقد. أنقدوا. لم أعرف بديلاً عن الخبز إلا الكتاب. كان أبواي يسميانه ابني لأني أحمله أينما ذهبت، وفي قولهما من اللوم ما فيه.. إلا أنني بالكتاب صرتُ هذا الذي ذكرتُه أماً وإبنةً الى الأبد.

كل يوم أستعد ليوم من العمل لكن يخيب السعي إذ أقف عند حدود المناطق، حدود من الرصاص تظلل الرؤوس فلا تعرف أين تطأطئ. طلبتي يقولون أنهم يجاورون السيارات عند عوداتهم الى البيوت لعلها تمنع الحديد الطائر برعونة من اقتناص رؤوسهم، وكل ما دون ذلك غير مهم. فالرصاص يمكنه أن يُستخرج إن لم يكن قاتلاً، لكنها جرأة غير طبيعية أيها الفتيان أيتها الفتيات: الخوف إمارة العقل. لا بد من شيء من الخوف فلا يمكنكم أن تصوموا عنه كله. وأفكر إنها أجيال لم تنظر الى الحرب من بعيد. فهي موشكة دائماً بين أيديهم. قريبة حد التلاطم وما من حيّز لرومانسية أفلام الحروب وبطولات المنتصرين. ما من مشاعر تنمو على مهل في انتظار أبٍ محارب سيؤوب الى الأمان، حيث النساء والأطفال. ليست حروبنا شأناً خاصاً بالذكور الكبار القادرين.

اليوم وانا أتأمل لافتة سوداء تنعى دعاء طالب أعدتُ النظر إليها لأكتشف أنها تنعى طفلة روضة ماتت بسبب قذيفة هاون.

الموت يرشُّ بخاخَ وجوده علينا بأشكالٍ عدة. يريدنا من كل الزوايا والأشكال، الموت موعدنا الذي نتخطاه في إخلافٍ جسور.. فليست المصادفة أن نموت بل أن نحيا. أخي يتندر معي إثر إصابتي بإطلاقة طائشة في كتفي تموز الماضي بأنها كانت طلقة تائهة وأنا صرتُ الدليل لها. ولكن على الرصاصة نفسها أو على هطولها القدري أن يختار ما يشاء، أن يكون موتاً أو إصابة خطيرة أو يكون أمراً مستطاعاً. وما زلنا مستطيعين ما يمكن.

لكن أن أقف على الحدود بين جسر الصرافية وباب المعظم ولا أصل الى كليتي هو في الحقيقة أمرٌ مخزٍ حقاً، أمر يجثم على النفس شأنَ عبوةٍ هو الآخر. أن تقف بين كرخكَ ورصافتهم أو كرخهم ورصافتك، أن تقول أنا من هذا، أو أنا من ذاك فأمر لم أعرفه لم يعرفه العراقيون من قبل، هم صنّفوك وليس لكَ أن تختار، هم يعرفونك بعلاماتٍ قبائلية قديمة مثل ميسمٍ على الوجه. أنت من هذه الطائفة وليس لك ان تختار أو تمتنع، ما من شيء يوقف ريحَ هذه الكراهية القبيح. كراهية هذا الذي يقتلك او يضعكَ في جبهة الأعداء وأنت لم تفعل له شيئاً ولن تفعل.

وأحلم بأن نكمل درسَ مفاهيم النقد، أحلم أن أسأل طلبتي عمّا تعلّموا وأعدّ العدةَ لأمتحان، لكن طلبتي مأخوذون بامتحانٍ آخر في الطريق. أحد الممتحنين في العام الفائت أخبرني انه يقرأ في ضوء هاتف نقال مع انقطاع الكهرباء المتواصل، أخبره أني كذلك أقرأ. لكن لا شيء يخفف من حمولة العيش خاصة عندما يطرد الحزنُ الى صاحبٍ قد مات أو أخ، أو أبن قد خطف أو امرأةٍ قد أصيبت في انفجار أو بإطلاقٍ طائش لم يدع إلا قليلاً من الناس لم يوشمه.

عندما رقدتُ في المستشفى إثر إصابتي حدثنَْني. الراقدات عن الإصابات المحزِنة، الأم الشابة التي تلقّتْ طلقتها في الفخذ محل زوجها ما ان غيّرتْ مكانها، والطفل الصغير الذي هاجمه الكلبُ المتوحش وقيل إنها كلاب مسعورة قد أطلقتْ حديثاً في الشوارع لا نعرف ممّنْ فهاجمت الأطفال...

والفتاة الشابة التي تتعالج من آثار إصابتها بمفخخة، إصابة لا شفاء لها، كل أشهر يتجدد العلاج ولا فائدة، هي لاتنجو من الألم ويؤذيني نشيجُها في الليل ونداؤها الى المضمد كي يدع عنها التضميد وزرق الأبرة في الوريد.

أمها هي الأخرى شابة في الثلاثين مات لها ولدان على جسر الأئمة مما طلاها بالسواد وجعل لها وجهاً في الأربعين، ورغم كل هذه الأحزان ما أن رأتني أدخلُ الردهةَ وهي لا تعرفني حتى تطوعتْ قائمة للمساعدة.

أمهاتٌ أخريات جئْنَ من ردهاتٍ أخر راوياتٍ حكاياتهن وحكاياتِ أبنائهن مع الإصابة.. الدعاء لا يفارق أفواههن للأحباب واللعنة على الأعداء.

ما من عراقي إلا وله شأنٌ مع الإصابة، ومع الخوف والتربص، له حكاية مع المخطوف منه أو المسلوب أو المقتول أو المهجّر.. كلُ أشكال الأذى تحلّ وهي محرّمة.

قريبةُ زوجة أخي التي أصابتها المصائبُ مصيبةً إثر مصيبة، فبعد أن قُتِلَ زوجُها إثرَ تعرضهِ للسرقة ونهبِ سيارته، هُجّرتْ بعد سنة أو سنتين هي وأطفالُها الثمانية لسببٍ طائفي، وإثر تنقّلها من بيتٍ الى بيت مع تكاليف العيش القاسية رُميتْ آخر الأمر بقذيفةِ هاون وقعتْ في مسكنها، إذ ذاك صرختْ يا ربّ من هذا الذي يترصّدني..؟ فمن نارٍ الى نار يا قلب اصبر.

أصبري أيتها الأم، أيتها الزوجة.. فلا مناص من الصبر وشد الحزم بالزهد والتقى، ما من فسحةٍ لترفٍ في مأكل أو ملبس، وما من خيار غير الخلود الى الصمت فهو البليغ. وإذا ما انهالتِ الطلقاتُ من حولك واشتدّ عصفُ القذائف فاسكني واخلدي وتصبري .. دعي لدعائكِ جدوى التفريج عن القلب الكظيم، وللآياتِ فضلها في ردّ االموت المبرم دون أذن الله، واطلبي الرحمةَ منه فليس سواه لتذليل هذه الشدائد التي ما بعدها شدائد.

ما من عراقي إلا ويغرف من رحمة التوكل على الله، هو يدع للقضاء أن يأخذ مجراه وقد سلّم الروح وهيّأ النفس لملاقاة موته مع كل طلعةٍ الى شارع. ما من عراقيةٍ إلا وأنشدتْ حسبي الله ونعم الوكيل، ما كان لها ناقة ولا جمل في أن يضطرم كل هذا التقتيل، ويعمّ هذا الإجرام، ولو أعطي زمامُ الأمر للنساء كما أحسب لكفّتِ الحروب ولا شك. ماذا تريد الأم غير أن يُصان الأحبة وماذا تريد الإبنةُ غير أن يرفرف الحبّ.

تسردُ لي قريبةٌ موظفة في دائرة حكومية سيرةَ يومٍ من العمل. في الصباح في طريق الذهاب الى الدائرة توقفتْ بنا السيارة أكثر من مرة إذ نشطت حركةُ عنفٍ في الشارع نزلنا واختبأنا في عمارة وانتظرنا أن ينتهي الإطلاق لنكمل السير الى الدائرة. وقبل انتهاء الدوام تربّصنا بالطريق إذ حدثتْ أعمالُ عنف ولا ندري كيف سنصل الى بيوتنا الواقعة في مناطق خطرة هي الأخرى. لهذه الموظفة طفلة معاقة يرعاها إلى جانب الأم أبٌ وأخ يتناوبان في الألتحاق كلٌ بعمله الى جانب تحاشي أحداث الموت اليومي قدر المستطاع. وهي تقول أنها فقدتْ إبنة في الحصار بسبب من أنها وضعتها عند الولادة في حاضنة زجاجية لعدم اكتمال نومها في احد المستشفيات الحكومية، وأعيقتْ الثانية بسبب من لقاح فاسد أعطي للطفلة في مستشفى حكومي أيضاً.. ولكنها لا تكف عن العمل ورعاية ابنتها وابنها.. والتوكل على الله لتجنب ما ينبغي تجنبه في بيئة الموت هذه.

الأمهاتُ العجائز لا ينمْنَ . كلُ أمٍ هي قلبٌ وجسد على نارِ قلق. أولادهن المتوزعون على المناطق هم حجراتُ القلبِ الممزق على علامات الرضا والسخط المتوزعة في مناطق بغداد بحسب الطوائف. مناطق الأبيض والأسود ولا مكان للرمادي، لا مكانَ لفاقدِ اللون المصنَّف من القتلة. إن تشأ أو لم تشأ فأنتَ منا أو أنت علينا، وهن من حينٍ الى حين يتأوهن عن خشيةٍ أو دعاء أو طيفٍ بإبن.

أما اللواتي يفجعن بأبنائهن فعويلهن يفطر القلب فلا يعود صحيحاً أبداً. بكاؤهن لا يقف عند حدود أن لهن إبناً قد اغتيل أو اختُطف أو فُقِد فإلى أين؟ لماذا هذا القتل البشع، لماذا قطّعتْ أعضاؤه أو تناثر لحمه أو شوّه ومُثّل به؟؟؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ ألم تكن رصاصة في الرأس تكفي...؟ صارت الرصاصة رحمة! وصار في القتل ما هو هيّن!، وأية أرض حملتْ جثمانه؟، أية ميتةٍ قد مات؟ أي دافع جدير بأن يكون سبباً لكل هذا التقتيل؟ وأي وأي وأي..؟

 

 لم يعد ينحْنَ إلا طمعاً في قبرٍ يرينه فيبكين عليه.. أيا وليدي كيف صرتَ مجهولَ الهوية وقلبي يعرفك؟ أين وُضعتَ وكيف أجدُك؟ وكيف أذوق الحياة ولستَ فيها؟.

وهكذا يمتنَ، كل يومٍ تموتُ أم ويموتُ أب. إصاباتُ الموت من أمراض القلب والدماغ وما اليهما تتناوب على العراقيين ولاسيما من تخطى الخمسين، الميتات المفاجئة لم تعد مفاجئة والأحزان أوسع من هذا الفضاء والجرح أشدّ من أن يُلمّ..

أيها العراق أيها الوليد أيها الأب.. نحن امهاتكَ ونحن بناتُك ولسنا إلا بين يديك وعلى ترابك نقلّبُ فيه قدراتنا، قدرة على الحب وقدرات على الموت في هذا الحب. فما عليك إلا أن تكون وما علينا إلا هذا البقاء في أرضك أو عليها محتسبين أرواحنا الى الله ومنتدبينه كي يمسح برحمته هذه الأحزان فقد طفا الوجع على كل ذكرى وجلل الجسدَ رحيلٌ كثير..

 *****

دفاتر