عيون المها بين الرصافة والجسر

 هدية حسين

جسر الصرافية، جسر القطار، الجسر الحديدي، الجسر القديم، كلها مسميات لأجمل وأقدم جسر في بغداد، مرّ عليه الملوك والرؤساء الذين حكموا العراق، كما مر عليه عامة الناس وارتبطت حياتهم به، خلّدته الذاكرة البغدادية بقصص وحكايات لا تنسى، وفيه كنا نردد الأغنية الشعبية التي تقول: جسر الحديد انقطع من دوس رجليه، جسر يربط رصافة بغداد بكرخها، وهو أول الذكريات بالنسبة لي وآخرها.
أطمع بكرمكم، أن تسمحوا لي هذه المرة، بفتح نافذة تخصني، تخص أشياء عزيزة على نفسي، أحتفظ بها، وأصونها من الصدأ، وها أنا اليوم أبوح بها وأعتقها من سجن روحي، ومن أجلها سأعود إلى سنوات طويلة، رغم أنني أدرك تماماً أن عجلة الزمن لا تعود.. سأعود الى أيام تسربت مثل الماء من بين الأصابع.. أيام لم تعُد أصابعي تقدر على الإمساك بها إلاّ عبر صور في الرأس لا تلبث أن تهرب كلما اقتربت منها.. لكن ذكرى الجسر الحديدي تسطع في الذاكرة، تزيح الكثير من الركام وتحتل الصدارة دائماً.
في ذلك الزمن البعيد، حينما كنا أطفالاً، كان الجسر الحديدي ملعبنا، نلهو تحته وفوقه، تتشكل أحلامنا على امتداده، عن بعد نسمع صافرة القطار الذي سيسير على سكة الجسر الممتدة موازاته والملتحمة به، فنهرع ونتسلّق ركائزه، ونختبئ تحت السكة، وما إن يأتي القطار حتى نواصل صراخنا، ولا نسمع أي صوت سوى صوته، بسبب الضجيج الهائل لعجلاته، التي تكاد تسحق رؤوسنا.. كم مرة نصحنا الأهل أن لا نفعل ذلك لكننا أبداً لم نستمع إليهم، ثم أمرونا وهددونا، ولم ينفع معنا وعيد أو تهديد يكفينا ويسعدنا أن قطرات الماء الساخن تتساقط على رؤوسنا حين يمر القطار.
وماذا بعد؟
لطالما سمعت أن عمي اشتغل عاملاً عندما أنشىء الجسر - في الأربعينيات من القرن الماضي - لذا كان انتماؤنا للجسر، نحن الأطفال الأقارب أقوى من بقية الأطفال، بل كنا نعتقد أنه ملك عمي، ولذلك نقوم بطرد الأطفال الآخرين حين نتخاصم معهم.. وكان الفتيان والفتيات الذين يكبروننا سناً، يقيمون مسابقات في السباحة، تكون إحدى ركائز الجسر هي الهدف الذي يصل إليه المتسابقون، عند ذاك يتجمهر أهل الحي القريبون من النهر، فيعم الهرج والمرج، صفير وصراخ وتشجيع وتصفيق.
وماذا بعد؟
كان كبار السن ينامون صيفاً تحت الركيزة الكبيرة الرابضة على الأرض، هواء بارد منعش يجعلهم ينعسون في ظهيرة تموز الحارق أو آب، حيث الحرارة تتجاوز الخمسين درجة، وليس من تكييف في بيوت الحي الفقير، ونأتي نحن الصغار الخبثاء فنقلق راحتهم باللعب تحت الركيزة، ينهروننا ولا نكف، ندخل معهم في معركة، فإما يتركون المكان، وإما نهرب إذا طاردونا بالعصي.
على السطوح ننام صيفاً، كان بيتنا يطل على نهر دجلة، قريباً من الجسر، الذي تتلألأ أضواؤه في الليل وتسقط على صفحة الماء، فتنكشف بعض الكتل التي لا نميزها، قد تكون جثة حيوان نافق، أو جذوع شجر جاءت مع مجرى الماء، وقد تكون السعالي والأشباح التي يحذرنا منها الأهل، جاءت لتبحث عن ضحاياها.
***
لقد شكل الجسر الحديدي عالمنا الصغير، وعالم مراهقتنا، نحن الذين كنا نجاوره، وكان العشاق يتواعدون عليه، ويمضون إليه، فيعبرون الى الضفة الأخرى، من الرصافة إلى الكرخ أو بالعكس.. ومثلما مرّت الأفراح، فقد ترك في نفسي ذكرى أليمة، إذ سار عليه أبي ذات نهار، حاملاً جثة أختي الصغيرة، ومعه عدد من الرجال، لدفنها في المقبرة التي تقع في جانب الكرخ خلف غابة النخيل.. وظلت أمي لسنوات تصطحبني لزيارة قبرها.
ومن على الجسر الحديدي رمى أخي كتبه المدرسية، بعد أن دخل في رهان مع أصدقائه، لكي لا يعود إلى المدرسة التي لم يشعر يوماً بالانتماء إليها.. وكذلك رمى كلبنا الصغير، قائلاً لي إنه سيعود سباحة الى البيت، وحين عدنا ركضاً، وجدنا الكلب قد سبقنا وراح ينفض فروته من الماء أمام باب البيت.
***
ذكريات وذكريات عن الجسر، دوّنت بعضها في روايتي الأولى ( بنت الخان) .. ولم يكن الجسرذاته، عابراً في روايتي الثالثة ( في الطريق إليهم ..) وتشاء المحبة بيني وبينه أن يحضر بقوة في الرواية الخامسة التي توشك على النهاية.
وماذا بعد يا ذاكرتي؟
في تلك السنوات البعيدة، شهد الجسر تظاهرة حاشدة، بدأت من الرصافة وانضم إليها من جاء من الكرخ - لا أتذكر الهدف الذي نُظمت لأجله تلك التظاهرة - أخرجونا من المدارس ورحنا نصرخ: الموت للخونة.. أي خونة؟ لا أعرف.. كنت ما أزال في الابتدائية.. فجأة وصلت سيارات الشرطة، وهرب الجميع باتجاهات مختلفة، كان الجسر من حصة عدد كبير، وكنتُ واحدة منهم والرعب يملأ نفسي.
وماذا بعد؟ هل يشك أحد إذا قلت إن حزني على ما حلّ بالجسر الحديدي يشبه حزني يوم مات أبي ؟.. نعم هو كذلك، فقد بكيت بالمرارة ذاتها، بكيت طفولتي التي ما زلت أحتمي بها من الأوجاع، بكيت أمي وأبي وأصدقائي وأحلى سنوات عمري، وبكيت على الضحايا الذين سقطوا في الماء.
أبكي عليك وعلى الحكايات التي اختزنتها يا رفيق الطفولة، وأسألك، هل تتذكر سحنات وجوهنا المحروقة بشمس الصيف؟ أبكي على ذكريات البغداديين التي انكسرت مع انكسار أشلائك، أرثيك وأرثيهم يا آخر الأحباب المغدورين، وأرى برغم بعد المسافات بيني وبينك، علي ابن الجهم، يودع عيون المها بين الرصافة والجسر، أراه يجهش بالبكاء على ما حلّ بحكايات العاشقين.

* كاتبة عراقية مقيمة في عمّان

 الرأي الأردنية

دفاتر