الكتابة في ضوء التجربة الشخصية
 

محمد سعدون السباهي


يقول هيغل (تنبثق الفكرة على نحو أفضل، كلما احسن الفنان اختيار الشكل الامثل لها، مما يجعل تحقيق الفكرة من حيث هي مضمون تحقيقاً لها في الوقت نفسه من حيث هي شكل..).
هذه المقولة العظيمة أفادتني فائدة كبيرة، حيث رحت جاهداً اتعقب الاساليب والطرق الفنية والسردية التي تبناها عباقرة الكتابة في العالم، إضافة الى اختيار، المضمون الذي اعتقد انه الأقرب الى الغالبية العظمى من الناس، قبل ان اجلس لأمارس لعبة الكتابة الخطرة..
قصة (بلا أبواب ونوافذ): أوحت فكرتها المفزعة، غرفة دفعوني ذات يوم من عام 1987 في فضاضة مريعة، الى داخلها عن طريق ثقب في الجدار، وليس بابا، كان عليّ ان احني قامتي كثيراً كي أصله!    

انهم يعاقبونني لأنني تجرأت من دون قصد مبيت من جانبي طبعاً. ودخنت سجارة في الشارع العام، في شهر رمضان، مما اعتبر إهانة موجهة من جانبي لمشاعر العامة المقدسة، وخروجاً وقحاً على (التوجيهات) التي سبق اذاعتها، ونشرها، مرات عدة من قبل (السلطات الثورية) المعنية في هذا الأمر الخطر!!
فاوصى قاض، أملط الوجه، منح صلاحيات ضبط وتوجيه حريات الناس، في الربع الأخير من القرن العشرين، بتوقيفي حتى نهاية عيد الفطر، كمفسد على الأرض!
كانت الغرفة عارية وواطئة، واطئة على نحو يكاد يلمس سقفها باليد، مفروشة.بالبصاق واعقاب السجاير التي يبيعها الحراس للموقوفين !!
يتسلى الخلق العجيب الذي رموا به، لجريمتي ذاتها، قتلاً للوقت الذي يدق على الرؤوس المصدوعة في قسوة مريعة، بتدوين افكارهم على الجدران، أو المشاجرات، أو باجراء مسابقات للقمل، ميادينها راحات أيديهم، فاتني ان أذكر، ان الغرفة كانت تنهض على جدراين طويلين، مقسمة الى خانات، مساحة الواحدة منها، متران ونصف المتر، مفتوحة على بعضها، مما يعطي انطباعاً بأنها انشئت لتكون اصطبلاً لشرطة الخيالة، في العهد الملكي..
قصة (أدرب نفسي على الجنون): لها أكثر من مشهد، واكثر من مكان، إذ شاهدت ذات مساء خريفي، من نافذة سيارة مسرعة، غراباً ابيض، وسط مجموعة كبيرة من غربان سود، يهجعون في حقل مهجور، الى الجنوب من مدينة الزبير.. وفي منطقة، البجيلية من القاطع العسكري الاوسط، رأيت خارج أحد الملاجئ جنديين عراقيين مجندلين، وبالقرب منهما رأسان مرميان ملوثان بالدم والتراب. أزعم أنني سمعت أحد الرأسين يضحك! لعل صاحبه كان يضحك قبل وقوع الكارثة، فواصل الرأس مسراته!
لم نعرف أي الرأسين اللذين جزرتهما شظية باشطة، يعود الى جثته!
كان القصف المدفعي شديداً، والليل يقترب، وعلينا ان نسرع بإرسالهما الى الوحدات الخلفية قبل حلول الظلام، فوضعناهما كلا في تابوته، متضرعين الى الله ان يجعل الجثمان مع رأسه!!
في القاطع الشمالي شاهدت بقعة عريضة من الثلج مشربة بالدماء، تلمع متوهجة كالنار تحت سماء شديدة الزرقة.. فقمت بتجميع هذه المشاهد المروعة، وغيرها واشتغلت عليها قصتي تلك، حيث انتهت الاحداث ببطلها الى الجنون!
قصة (رماد البنفسج): سمعت ذات مرة رجلاً يتحدث في لهفة حرى عن امراة نالها مرة، أو عدة مرات، أو هو في واقع الامر، لم ينلها على الاطلاق بالرغم من سعيه المستميت من اجل التقرب منها، غير أنها ظلت بمنأى عنه، تضيع من بين يديه كأنها الماء تماما! لتصبح فيما بعد رمزاً لجمال أزلي لاينال، وانموذجاً لحب عاصف ضاع منه قبل أن يرتوي منه، فظل أبدا في عطش رهيب اليه.
كل ذلك ما كان ليحصل على هذا القدر الباهظ من التراجيديا لو ان وسائل الصراع بين الطرفين كانت متكافئة، ولأفضى الأمر الأخير بدوره الى عدم الجدوى من كتابة النص.
قصة "ذاكرة الأهوار": لكي اصنع من حكاية كانت قد تشربت بقوة في المخيلة الجمعية لسكان القرى العديدة بضمنها قريتي، المنتشرة مثل أسراب من القبرات عند تخوم، هور الحمار المدهش، تقول الحكاية :
جاء كائن خرافي (حوته!) وسكن منطقة الاهوار فأتى على أسماكها، ومخلوقاتها، مما دفع الناس هناك الى مغادرة ديارها، والتشتت في أماكن بعيدة، الى آخر الحكاية.
وقد تحتم علي أن اخلق أسطورتي أنا، كابن مغامر ولد في زمن عقيم، لأنقل ما هو ميثولوجي صارت تتعامل معه الناس تعاملها مع الحقائق المادية كالنار، أو النقود، أو وسائط النقل، الى مناخ آخر يهشم الاسطورة في مركزها، ولكي افعل ذلك عمدت الى خلخلة البناء السردي التتابعي القديم للحاكية، في سياق سردي جديد، من شأنه ان يثير الفوضى في متن النص الوقور، وكان قبل هذا قد توجب عليّ ان تكون حكايتي أنا مكتوبة بأسلوب ممتع وشيق وساخر جهد الامكان، وتعاملي مع المفردات حذراً ودقيقاً، عمدت الى وضع جدول من مفردات معينة ضمنها نص الحكاية القديم، وتعاملت معها وفق جدول آخر على ضوء قاعدتي الطباق، والترادف اللغويتين، وعبر ما أسلفت تمكنت من تهشيم قشرة الحكاية الاصلية، الصلبة والمخيفة والمفزعة معاً فتحررت تبعاً لذلك (الثيمة) القديمة التي كانت بمثابة، ناب افعى مشرعة، لتصبح مجرد عظمة أنيقة، مجوفة، يمكن بعد ان زال خطرها أن تلضم بخيط، ويعلقها الكبار أو الصغار حول اعناقهم، للتبرك، أو للزينة!
ملاحظة: استهوتني الحكاية كثيراً مذ سمعتها وأنا صغير، فظلت راقدة تتململ في ذاكرتي أكثر من ثلاثين عاماً، قبل ان اقرر الاجهاز عليها، وقد فازت عام 1991 بجائزة مجلة "لوتس" لسان حال اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا سابقاً.
قصة لم اكتبها بعد: سمعت وأنا صبي يافع ان جدي لأبي اختطف من زورقه الآري المبني على شكل هلال تام، وهو في طريقه الى الهور، يدا الله المباركتين، خضراء وبيضاء حيث الأولى، عشب وحقول رز شاسعة وطيور وفيرة.. والثانية، ماء رقراق ترشحه سيقان القصب والبردي والنباتات الاخرى. وسمك كثير مغطى برقائق من الذهب والفضة، كان ذاهباً ليمارس هوايته الموروثة عن آبائه السومريين، وزجوا به مع الكثيرين في جبال الاناضول ليقاتل من اجل الابقاء، اشهراً قليلة على الامبراطورية التي كانت تعيش أيامها الاخيرة مثل عجوز مصابة بالكساح.. وبعد سبع سنوات، عاد بساق واحدة، وجسد مخطط بالندوب، ووجه أطفأت مرآته التي وهبتها له آلهة الاهوار السخية، المعارك السفيهة، والغربة الطويلة عن الأهل والديار والاهوار، وعرفت كذلك انهم أخذوا، عنوة أبي مع من أخذوهم، وكان ينثر البذار في حقله، وأمروهم تحت تهديد السلاح، ورطانة السياسة، القيام بمهمة في فلسطين، سيظل تنفيذها مستحيلاً على أبي، وعشيرته، وعشائر العرب الاخرى. حين رجع بعد أشهر عدة، كانت أمي، وأمه اثناءها تكثران من البكاء على مصيره.
استمر، بحسه القروي، يتحدث لنا في كل ليلة من ليالي الشتاء الطويلة في – الجنوب- عن بطولاته المزعومة، وكان عظيم فخره، ساعة يدوية يلوح بها مزهوا أمام عيوننا نحن أفراد اسرته، وعيون الجيران التي ترى للمرة الأولى، ساعة يدوية! حيث يلتم الجميع حول الموقد الطيني الساجر بكرب النخيل، مدعياً بأنها تعود لضابط اسرائيلي، يزعم بأنه قتله واستولى عليها!
لكن، لو انهم لم يعلنوا على الملأ، بعد أكثر من اربعين عاماً على عودة أبي بغنيمته التاريخية، عبر الأقمار الصناعية كافة، وبالعربية الفصحى، واللهجات المحلية أيضاً، يعلنوا الممكن تماماً المريح والمربح للاطراف المتصارعة، على شاكلة البيع بالاقساط، في ان تعيش الحمامة الى جانب الصقر، في عشين، آمنين أبديين، أقول من دون ذلك لظل أبي مصراً في ثرثرته ولما انزوى، في أيامه الاخيرة، متصنعاً الصمم، وشحة الرؤيا لما يدور من حوله، وأخيراً أنقذه من حيرته الكبيرة، وخجله المريع مخلب الموت الذي انقض عليه في عجالة، اثر مرض اسقط شعره الأنيق الكثيف، وأسنانه القوية، وان لا سبيل الى معالجته الا بواسطة حقن طبية تباع بالدولار، أو بالدينار الأردني..
ويظل السؤال الذي يؤرقني، أية قصة توجب عليّ كتابتها، كي اثأر لعوق جدي المسكين، وضياعه في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، كما يقول العرب؟
وموت أبي بسبب عدم توفر ثمن حقنة دوائية، وهو الذي ظل أكثر من نصف قرن يعد نفسه آخر (فرسان!) العرب؟
وجميع من قتلوا على شاكلتيهما، لا لشيء، سوى انهم كانوا قرويين بسطاء، طيبين أكثر مما يجب!    

المدى

دفاتر