ياللأحلام من مهنة شاقة!..

قاسم عبد الأمير عجام في ذكرى رحيله الثالثة
 

د. نادية غازي العزاوي
في 17/5/2004 رحل قاسم عجام اغتيالاً.
نهاية فجائعية لحياة قامت على اربع ركائز متلازمة لم تعرف يوما انفصاما أو ازدواجية : وعي سياسيّ وانتماء يساريّ لم يتخل عن منطلقاته وثوابته أبداً، وأحلام شاسعة بوسع الوطن الذي أحبّه من الأعماق وآمن بتاريخه وحضارته وعطاء ناسه، وخيبات لاذعة على المستويين الشخصيّ والوطنيّ، وقلم مثابر ناضج مستوف لأدواته لم يكفّ عن الكتابة الاّ لحظة اخترقت الرصاصة رأسه
.

 لكأنّه آل على نفسه أن يحوّل الخيبة الى فعل ابداعيّ يهب وجوده مغزىً معيناً، فظل يكتب في نقد القصة والرواية والشعر والمقالة والتلفزيون والمسرح والسينما، ويتابع – عرضاً وتحليلاً – آخر الأصدارات المحلية والعربية في العمارة والدين واللغة والتاريخ والبحث العلميّ، ويشارك في المنتديات والأماسي والحلقات الثقافية المختلفة. كان دائما على موعد مع الوطن، ومعه في خضمّ المعمعة طوعاً أو اضطراراً، فعرف السجون مبكراً وعاش لعبة الموت في الحروب المريرة في الخنادق والمواضع، ولم يتهرّب قطّ من مسؤولية وضع امامها أو فرضت عليه، وظلّ ينزف بصمت وجعاً وحباً. في ذكرى رحيله الثالثة أودّ أن أضع بين يدي القارىء الكريم نصاً من اوراقه الشخصيّة، نصا كتبه بصدق – كما يفعل دائماً – وبوح ولم يخطر له يوماً أن يرى النور، ولكنه جدير بالنشر الآن بوصفه وثيقة تؤرخ لحظة عصيبة من حياته، وتلقي ضوءاً على مرحلة عاشها في حقبة التسعينيات الكئيبة من القرن العشرين، وقد وضعت رحى الحصار العالمي والمحلي الشرسة المثقف العراقي النزيه بين فكيْها تحفّ به خيارات مصيرية على المفترق : أترحل الى الخارج حيث الغربة أم تبقى في أتون الوطن حيث الاغتراب والعوز والحرمان؟ أتقاوم من اجل الحفاظ على نزاهة تاريخك أم ترتضي التدجين والتزييف ؟. وفي خضمّ المطحنة كانت أسئلة الوعي تقضّ المضجع كالمطارق : من يتذكر في سوق الجري وراء اللقمة أحلامه القديمة ومشاريعه المؤجلة ؟ وما السبيل الى استعادة نضارتها ؟ وكيف لها ان تتحقق في واقع أجوف مجرّد من أيسر الشروط الانسانية والاحتياجات الدنيا ؟. أمّا قاسم عجام فلم يهدأ ولم يرضخ للنسيان أو التناسي مُخدّراً بل جاهد لكي تظلّ الذاكرة مشحونة باليقظة الى اقصاها تذكره في كل يوم بما تحقق وما ينتظر الانجاز بعد. انه يستحضر في هذه الورقة ولادته وقد اكمل نصف قرن مؤكّداً انها ولادتان : جسدية وليدة القضاء والقدر، واخرى فكرية ارادية. ولان يوم ميلاده الأول ضل طريقه الى سجلات النفوس فقد آثر لميلاده الثاني يوماً خاصاً من شهر مايس لسبب سيجلوه هناك، هو في الصميم من ثوابت انتمائه الايديولوجي. وسيدهش القارىء حتماً للمصادفة القدرية الغريبة التي جعلت هذا الشهر نفسه يحتضن يوم موته فلم تخطئه الاوراق الرسمية هذه المرة. لكأني به وهو يترنّح لحظة السقوط على قارعة الطريق يردد مع المتنــــــــــــبي بقوة الاستبصار نفسها :

 وانى شئت يا طرقي فكوني اذاة او نجاة او هلاكا

 فكانت النهاية الدرامية لعمر مفعم بالتحديات والمنجزات معاً.

النص:

الجمعة 26/5/1995: الخمسون هي ذي اخيراً اجراس منتصف قرني الخاص تدق بالف نغمة ونغمة، صدقت ام لم اصدق، اخذتني الدهشة ام اذهلتني ضحالة الحصاد، فان خمسين عاماً تناثرت من عمري تناثر الطحين من بين الاصابع، ومثلما لم يتذكرني فيها احد من الاولاد او الاصدقاء، زهدت انا ايضا بالاحتفال بالمناسبة حتى لم اكتب كلمة عنها في دفتري هذا حين حل اليوم الذي سبق لي ان اعتبرته يوما لميلادي. والحق انني اردت الكتابة فيه ولكن لا لاخاطب ايامي الباقية او لأستبقي بعضاً من ايامي المنسحبة بل لان يومي ذاك ارتبط ومنذ نصف قرن ايضاً بحاضر عالمنا ومستقبله ايضاً. أجل هكذا دونما مبالغة فهو اليوم العالمي للاحتفال بدحر الفاشية بالنصر على عدوانية هتلر ونظامه النازي، أنه التاسع من مايس، ولقد احتفل به العالم هذا العام بالمزيد من الحفاوة اذ مرّ هذا العام نصف قرن على لحظة انبثاق السلام مع الراية الحمراء التي ركزها جندي سوفياتيّ على مبنى الرايخشتاع او ما بقي منه لتعلن انتصار الاشتراكية والديمقراطية على العنصرية والحرب واحتقار الانسان. واذا كان منتصف القرن الذي دقت اجراسه قد حلّ ورموز الاشتراكية التاريخيون قد خرجوا من السلطة الى التاريخ بكل امجادهم وخطاياهم فلا اتحاد سوفياتي ولا شيوعية دولية وهما نجما النصر وابرز نتائجه فان معنى ذلك النصر مما لا يمكن طيه باي من ملفات التناسي او التجاهل او التشويه، ولعل ذلك المعنى وعمق جذوره هو الذي دفع............ (بوريس يلتسين) رئيس روسيا الآن للتمسك برأيه بان يحتفل الرئيس الامريكي بالمناسبة على ارض روسيا وفي ساحة عاصمتها الحمراء وان يشهد عرض النصر العسكري، واذا كانت الاخبار قد نقلت لنا بعضا من ضيق ( بيل كلنتون ) رئيس امريكا بان يشهد المناسبة هنا وبالذات ضيقه بالعرض العسكري فلأنه شاء ام ابى يدرك المعنى الذي لم تستطع الهيمنة المطلقة للقطب الامبريالي على العصر ان تخفيه الى الأبد، معنى ان الوحش النازي قد تهاوى مثخناً بالجراح عند اقدام الجنود السوفيات الذين ملأت مُثل الاشتراكية والسلام والتضامن الاممي نفوسهم بالعزم والاقدام فتسابقوا وسبقوا غيرهم الى وجر الذئب ليحرروا برلين ويرفعوا راية عصرهم فوق رموزه الآفلة. واذا كانت دول في اوربا قد احتفلت بالنصر وهي تحقق المزيد من التقدم العلمي والمزيد من الحرية والرفاهية لشعوبها مما يجعلها جديرةً بالتغني بالحرية والتقدم واذا كانت دول اخرى في آسيا قد احتفلت بذكراه فقد استلهمت بعضها من معاني الذكرى العزم على الدفاع عن الاشتراكية في ظروف اشتداد الحصار الامبريالي للبؤر الباقية في عالمنا على طريق الحلم في مجتمع لا طبقي، وحقّ لها ان تغني للبطولة.......... وترسي مجتمعها الخاص ورفاهيتها الخاصة كما فعلت الصين الشعبية وفيتنام الاشتراكية وكوريا الشمالية ( رغم ما يقال عن تأليه قيادتها وفردانيتها ) أما كوبا فهي نجمة الاحتفال المتألقة في سماء المعاني الحقيقية للتاسع من مايس، واذا كانت وهي تحتفل وصوت ( فيدل كاسترو ) الذي يقودها منذ اكثر من ثلاثة عقود ما زال يرسل اللعنات للظلم الامبريالي ونمطه الاجتماعي فلأنها تمثل ابرز الثمار الباقية لذلك النصر وما احدثه في العالم من حقائق واخلاقيات، فسلاماً كوبا، سلاماً فيدل، سلاماً جيفارا مناضلاً وقائداً وشهيداً، وسلاماً شعب كوبا في صمودك دون حصار الفاشية الجديدة وتربصها بك. كنت أريد أن أكتب عن يوم العالم هذا اذن ولم اكتب، مثلما تنطفىء يومياً عشرات الرغبات في نفوسنا نحن العراقيين تحت سياط السوق وذل العجز المقيم في النفوس والرؤوس، وما كنت أريد الكتابة عنه لأنه يوافق خمسيني أنا، وما كنت أريدها كتابة طقسية بتاثير ما تعلمناه وقرأناه عن الفاشية وضحايا النازية، فقد بردت أشد الكلمات حماساً وهي تنتمي لتلك العادة المناسبية، وحل محلها لظى التجربة وجمر المعاناة التفصيلية لتبدو كل الحكايات التي قرأناها عن مجتمع هتلر وموسوليني تدريباً لما اذاقتنا أياه فاشية العصر الجديد وسنوات حصارها التي لاتزال تزحف الى نفوسنا وعقولنا بمخالب التدمير والتشويه، فحق لمثلي وهو يريد استلهام عبر اليوم المجيد أن يذكر لأولئك الأعداء التاريخيين للفاشية صدقهم فيما اذاعوه عنها وصدقهم ونبلهم في حشد القوى لمحاربة الفكر العنصري والمنهج الاستبدادي الذي يفرزه، وان يذكر لهم مشروعية حماسهم في تجديد الاحتفال بهذا اليوم لعل الآخرين يتجنبون قيامة أخرى لفاشية جديدة...........فاشية في الشعارات، فاشية في الشرعة والقوانين همجية في الواقع التفصيلي يذبح تحت حرابها شعب بابل وآشور وهمجية في التغطية على ذلك الواقع، وهمجية أعتى في ادامته أو تشديد مفردات ظلمه، وسادية في تناسي كلّ ذلك أو تجاهله أو حتى في الحديث عنه كأنه قدر هذا الشعب وقسمته. وكل ذلك تحت خيمة الاحتفال بالقضاء على الفاشية، فيا فاشيي عصرنا الصغار والكبار لا قرّت عيونكم ولا غفر الله لكم فيما ترموننا فيه وفيما تذلوننا تحته،........حيثما نلتم منا وكيفما أفسدتم في حياتنا وكلما شددتم في حرماننا أو خنق حلم من احلامنا. وياللأحلام من مهنة شاقة او يالها سنوات الوعي كم اكتوت بجمر هذا الحلم أو ازدهت بذاك، ولعلها صدفة أقرب للوعي الذي غار في النفس سريعاً أن أختار اليوم التاسع من مايس يوما لمولدي دون أي انتباه الى أنه ذكرى النصر على الفاشية وأنه بصفته هذه مفتاح أحلام بشرية متدافعة بغدٍ متحرر من الخوف والفجائع وظلام الرأي المستبد الواحد فقد كان يوم تدشيني شوط الحلم الكبير خارجاً من قوقعة الذات وهواجس الخوف والخرافة وعتمة الانقياد لتقديرات الأسرة التي اثقلت خطوها وفكرها دهور من التقليد والغيبوبة في انتظار المقدر المكتوب. ومرة أخرى أقول : لعلها صدفة أقرب الى الوعي أن ألتفت الى تأثير هذا اليوم في كياني وتكويني بعد أكثر من عقد من الأكتواء بجمر التجربة وكان العالم يحتفل بمرور ثلاثين عاما على يوم النصر العظيم وكنت احتفل أنا بانتصاري الشخصي على ذاتي بأن أسجل هذا اليوم يوماً لولادتي الحقيقية، وما زلت أراه كذلك رغم كل خيبات الاحلام التي غرستها مياه ذلك اليوم من مايس في العقل والروح، فما كانت احلامي التي عرّشت بها ضلوعي وعروق عقلي سوى مشروعات خير دونها معارك حتمية مع كل قوى الشـر الموروثة والمستجدة.

 المدى

دفاتر