من اوراق اسبوع المدى الثقافي الخامس:
أهوار العراق تأريخ الماء والتجفـيـف
د. رشيد الخيُّون
"لو
أجتهد أعلم الناس وأنطق
الناس أن يجمع في كتاب واحد منافع
هذه البطيحة وهذه الأجمة لما قدر عليها"
عمرو
ابن بحر الجاحظ
مقدمة
حصلت
المعجزة وهُدمت السواتر
الترابية العالية، فعاد الماء إلى
ربوع الأهوار. عادت إليها الطيور في إيلافها
السنوي، بعد تحول مؤقت إلى سواحل
الكويت والبحرين، رغم ملوحتهما. وقيل من خواص بيوض
أنواع من أسماكها مقاومة الجفاف
لسنوات، وبهذه المزية أحضر الصيادون شباكهم
وقواربهم. إنه الخير القديم عاد
بعد زوال بؤس قيدّ العيون والعقول والمياه. صاحب
ذلك أمل بمشاريع إنمائية وسياحية
ومتحف ومركز لثقافة المكان. أخضرت الأهوار من جديد
بعد أن كادت تصبح طي النسيان، قد
تُذكر أخبارها مع أخبار اليمن السعيد وسد مأرب،
وعندها يقول راكب الصحراء فيها هنا
كانت مياه وغابات من البردي والقصب، وطيور
ألوانها من طيف الشمس.
سأل الكثيرون عن مؤهلات الأهوار في
العودة بعد
تجفيف دام عقدين من الزمن، وحينها أجبت
بما قاله أهلوها من خبر وتجربة في المكان:
"الماء ليس سوى الماء"! الماء
الحي، فعروق نباتها له صبر عجيب على العطش.
تترك
البيئة المائية عادة أثرها في نفوس
أبنائها، عبر عن هذا التعلق المتصوف فريد الدين
العطار (ت627هـ) في"منطق الطير"
فصل (عذر البطة)، تخيل فيه حواراً جرى بين البطة
وبين الهدهد. قالت البطة معتذرة
للهدهد الذي طلب منها هجر الماء: "إن مولدي ووجودي
متعلقان بالماء، وإن أغتم قلبي في
هذا العالم، فسرعان ما أغتسل من هموم القلب، حيث
الماء متوفر لديَّ على الدوام".
أجابها الهدهد: "إن الماء يحيط بروحكِ كما تحيط بها
النار، كم يطيب لك النوم على
الماء، ولكن ستأتي قطرة ماء وتسلبك ماء حياتك. لقد وجد
الماء من أجل الوجوه الدنسة". قالت
البطة معتزة ببيئتها: "من يعيش معتمداً على
الماء، لا يستطيع أن ينفض يده من
الماء".
بطبيعة الحال، أهل البيئات المائية
لا
يعرفون صلاة الاستسقاء ولا يهتمون بشروط
التيمم، سُنت صلاة قهر العطش في الإسلام
السنة السادسة من الهجرة، بعد
أن"لحق الناس من الضر والجدب"، وفي موسم الجدب ناشد
الشاعر النبي محمد بالقول:
أتيناك والعذراء يدمى لبانها
وقد شغلت أم البنين
عن الطفل
وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
كان
الاستسقاء قبل الإسلام أن توقد
النيران بأغصان شجر السَلّع، وتعليقها بأذناب البقر،
ثم الصعود بها إلى الجبال الوعرة.
أنشد الشاعر البصري الوليد بن هشام القحدمي:
لا
درَّ درُّ رجالٍ خاب سعيهم
يستمطرون لدى الأزمان بالعشرِ
أجاعلٌ أنت بيقوراً
مسَلّعةً
ذريعةً لك بين الله والمطرِ(
)
توهم لفظة بيقور باسم الفيلسوف
اليوناني المشهور أبيقور! وفي
العربية هي سرب من البقر تستسقي الماء. أما المسَلّعة
فهي البقرة التي يربط بذنبها غصن
شجرة السلّع المشتعل ناراً، وهنا تأتي جدلية
التخيل بين الماء الذي يطفئ النار
والنار التي تأتي بالماء! مثل هذه الصلاة لا تعد
من أوليات الدين لدى أهل الأهوار
وقاطني ضفاف الأنهر، فحياتهم من الماء إلى الماء.
وهل يححتاج أهل العراق إلى طقس
الاستسقاء بعد قول الشاعر، حسب الأسنوي في "طبقات
الشافعية":
أرفق بعبدك أن فيه فهامة
جبلية ولك العراق وماؤها
قِدم
المكان
ما بين معنى الهور ومعنى المستنقع
بون شاسع، فالأول عذب فرات بينما
الثاني ملح أجاج. فمن لا يعرف
الأهوار تاريخاً وجغرافيا لا يتردد في تسميتها
مستنقعات، مع ما تحمله من دلالة
محدودة، قد تفيد الوضاعة. لعلَّ الحال واحدة
بالنسبة للجاهل في تاريخ العراق
أرضاً وبشراً، يهون عليه القول بانبثاقه سنة 1921،
أنه مجرد تشكيلة ثلاث ولايات لا
يربطها رابط سابق. والحقيقة أن الأهوار وهي القصية
كانت تدار من بغداد، والعراق أقليم
واحد مذ غابر الزمان، حده الشمالي "أعلى دجلة من
ناحية آشور، وهي الموصل". على شاطئ
العراق الجنوبي كان الجاحظ "يبيع الخبز والسمك
ببميان"، فهل هناك شك أنها بوبيان
النفطية اليوم؟ فالجاحظ من الأدباء الذين ناظروا
وانتصروا لعذوبة مياه الأهوار ضد
الكوفيين، كما سيأتي ذكر ذلك لاحقاً.
الهور
كيان قديم، وكان الاسم معروفاً قبل
تعرف سكانه الأصليين على العربية، لا تربطه
رابطة بالمصدر الثلاثي هار، لا
علاقة لبيئته بالانهيار. قال ابن دريد في معنى
الهْوَر: "البحيرة تغيض بها مياه
غياض وآجام (بردي وقصب) فتتسع ويكثر ماؤها، والهور
القطيع من الغنم، سمي به لأنه من
كثرته يتساقط بعضه على بعض" (تاج العروس). عَرفه
ابن منظور: الهور "ماء لا يرى
طرفاه من سعته، وهو مغيض دجلة والفرات"(لسان العرب).
لا نجد في المصدرين المهمين ما
يفيد نحت كلمة الهور من انهيار الجرف، بقدر ما أشارا
إلى كيان جغرافي محدد.
وعلى صعيد الإرث الحضاري للسومرية
تركة في لهجة أهل
المنطقة، أبرزها كلمة (ايشان) تعني التل
المحاط بالماء، ووشيجة في التسمية، فقد عرف
السومريون الاهوار باسم "الأكامي"،
أي الأجمة حيث ينمو نبات القصب والبردي. وردت
مفردة أجمة القصب في ملحمة العلي
عندما: "عندما لم تكن بعدُ مراع خضر، عندما لم تكن
بعدُ أجمات القصب". أصبحت الأجمة،
فيما بعد، تسمية من التسميات العربية للأهوار،
كما سيأتي ذكرها لاحقاً. وفي هذا
الصدد أشار عالم الآثار العراقي طه باقر إلى قدم
الأهوار في سياق دراسته حول تاريخ
نبات البردي، المعروف باربتو عند السومريين، حسب
ما ثبت في كتابات الملك الآشوري
شيلمنصر الثالث (858-824 ق.م). قال باقر: "ذكر نوع
من القوارب صنعت من نبات أربتو،
وميزت عن نوع آخر من القوارب كانوا يستعملون فيها
الجلود المنفوخة، أي أن النوع
الأول من القوارب هو الذي يشبه القوارب التي تصنع في
العراق الآن من البردي والقير،
كالمشاحيف والقارب المدور المسمى في العراق الآن
باسم القفة، كما ذكرت المصادر
المسمارية الحصر المصنوعة من هذا النبات، وقد سمتها
باسم أرشو أربتي، أي فرش البردي".
من بقايا السومرية بالمنطقة أيضاً
تردد اسم
السيمر أو الصيمر في أكثر من مصدر تاريخي،
كاسم لقوارب معينة، واسم لنقود، و اسم
لشريحة كبيرة من الناس يقطنون شمال
البصرة، ولقب لقادة كلفتهم الدولة العباسية
والسلطة البويهية في مطاردة
المتمردين. التفت عامر حسك إلى ما بين الصيمر وسومر،
قال: "إن قبائل أهوار نهاية الفرات
الجنوبية، ضمن هور الحمّار، يطلق عليهم اسم
السيامر المشتقة من اسم السومريين،
غير أنه لا توجد قبيلة بمفردها تحمل اسم
السيامر، وإنما كل قبيلة تحمل
اسمها الخاص بها، وترجع بنسبها إلى القبيلة من
القبائل العربية المعروفة،
وتعتبرها القبلية الأم، ومع هذا أن الانتماء إلى
السومريين لا ضير فيه ما داموا هم
سكان العراق الأصليين".
أحسب أن تسمية
القوارب أو السفن المعروفة
بالسيمريات، التي كثيراً ما ذكرها الطبري في تفاصيل
أحداث ثورة الزنج وهي القوارب
الخاصة بالأهوار، محرفة من السيمريات أي السومريات،
مثلما حرف العراقيون اسم القوارب
المعروفة بالبرمات إلى بلمات. عرف علي الشرقي
السيمريات بالقول:"هي الزوارق
الدقيقة، و (تستعمل) لا سيما لقطع الهورين
المجاورين". وورد في تاريخ الطبري
في أحداث مطاردة ثورة الزنج في البطائح: "وجه
قائد الزنج من قبله رجلاً من أهل
جُبى يُقال له أحمد بن مهدي في سيمريات، فيها رمات
من أصحابه". كذلك ذكر ابن حوقل
منطقة باسم الصيمرة. وذكر المؤرخ صالح أحمد العلي
في"الخراج في العراق" نقوداً سُكت
أيام ولاية الحجاج باسم النقود السيمرية. بعد تلك
المعطيات لا أعتقد خلو ذاكرة
المنطقة اليوم من بقايا تاريخ البلاد السومرية، وكانت
الأهوار منزلاً من منازلها.
إن تاريخ أكثر من خمسة آلاف عام
يكفي أن يجعل
الأهوار في حل من معنى المستنقع، فالأخير
تكوين طارئ قد تحدثه الأمطار هنا وهناك،
أو يتسرب ماؤه من أرض رخوة، ليس له
علاقة بنهايات المياه العذبة، حيث دلتا النهرين
دجلة والفرات.لم تتعرض أهوارنا إلى
تحريف اسمها فقط، بل أن مدناً عراقية زيفت
أسماؤها على هذا المنوال. فاسم
الحيرة السرياني (المعسكر) أصبح مشتقاً من الفعل
الثلاثي حار، وتحول اسم بغداد
البابلي بغدادو (المرعى)، إلى أسم مركب من بغ وداد،
ولم يعد اسم هيت القديم يعني مدينة
القار وهي منبعه الأصلي. أما أور فتحولت إلى أسم
معركة، رغم دلالة ذي قار على أزقة
أور المعبدة بالقار، والمعروفة شعبياً بـ
(المكَيّر)، إلا أن تأريخ المعركة
تغلب عليها، ثم سميت الناصرية نسبة إلى حاكمها
القادم من الصحراء إلى السهل
الخصيب، وهكذا دواليك.
إشكالية التسمية
لتسمية
الهور علاقة بانعكاس الشمس على سطح
الماء الشاسع على مدار الفصول الأربعة، فبفعل
التعاكس بين الماء والنور يبدو
المكان بجملة تفاصيله أبيض اللون، رغم لون القصب
والبردي الأخضر في الربيع والصيف،
والأصفر والبني في الخريف والشتاء. أكثر من هذا
الأهالي عرفوا أماكن من الأهوار
بالبياضة. أخيراً لم ير الرحالة (يونغ) وهو يقف على
شاطئ الهور أول مرة غير اللون
الأبيض. قال: "إني رأيت برغم بعد المسافة النهايات
البيضاء المتموجة للمقاصب (أماكن
القصب) الكبرى"( ). بعد هذا الهور تسمية آرامية،
تعني البياض، فهورا الآرامية تعني
"البياض والنقاء"( )، أشتق منها اسم مدينة حوران،
منزل من منازل الصابئة القدماء وهي
الأرض البيضاء النقية.
كذلك نجد في القاموس
المندائي مفردة
HWR بمعنى
WHITENESS
، مع علمنا أن الناطقين بالآرامية الشرقية
الصابئة المندائيون اتخذوا من
الأهوار منزلاً منذ القدم، فقدسوا ماءها مثلما قدسه
السومريون من قبل، مع القول كانت
الآرامية لغة المنطقة قبل شيوع العربية، وظلت
شائعة رسمياً وشعبياً في العهود
الفارسية الثلاثة: الأخميني والفرثي والساسني
الأخير. وفي السريانية، تعني كلمة
(حورو) البياض في السريانية الحية بالعراق، ففي
العديد من اللغات يتبادل حرفا
الحاء والهاء المواقع، وتعني هور بالفارسية: "الشمس"،
أو النجم، والتسميتان تدلان على
البياض. خطر على البال آرامية اسم الهور ومعناه
البياض قبل الإطلاع على معلومة
أتحفنا بها يعقوب سركيس. قال: "إن لفظة هوارة ليست
بعربية، وجوزت لنفسي الظن أنها
آرامية، فاستطلعت الأب انستاس (الكرملي) فوافقني على
أنها كما ظننتها، وعلى أن آراميتها
صابئية، وأن معناها الأبيض والجص والجير
والحوارى، وعرفت بعدئذ أنها
الواردة في السريانية والعبرية مع إبدال حرفها الأول
بحاء مهملة وخاء منقوطة". نضيف أن
سومر، والأهوار تراثها الحي، تعني البلاد
المضيئة. يساعد التعرف على حقيقة
اسم الهور، كمكان جغرافي مميز، أن المنطقة ما كانت
مستنقعات حتى تنتظر مَنْ يردمها
ويلغي بيئة قال أهلها القدماء فيها: إنها بداية
الخليقة.
عموماً، ارتبط اسم المكان ببريد
الدولة، حيث كانت ممراً لرسائل
الخلافة. قال المسعودي: "صارت
البطائح إلى هذا الوقت مسيرة أيام، وذلك بين واسط
والبصرة، واسمها في هذا الوقت في
ديوان السلطان آجام البريد". ومن قبل قال
البلاذري: "لما تبطحت البطائح سمّي
ما استأجم من شقّ طريق البريد آجام البريد،
وسمّي الشق الآخر آجام (أغمربشي)،
وفي ذلك الآجام الكبرى". وورد الهور بهذه التسمية
وبالأجمة عند الجاحظ، بالقول:
"حدثني إبراهيم النظّام، قال: وردنا زقاق الهفة في
أجمة البصرة، فأردنا النفوذ فمنعنا
صاحب المسلحة، فأردنا التأخر إلى الهور، الذي
خرجنا منه فأبى علينا، وورد عليه
سكران وأصحابه سُكارى، فغضب على ملاّح نبطي، فشده
قماطاً، ثم رمى به في الأجمة على
موضع أرض تتصل بموضع أكواخ"( ). كلك ذكر ابن رسته
المنطقة بالأهوار. وجاء ذكر قرية
من أعمال الحلة باسم الهور على لسان الشاعر
العباسي مزيد الخشكري، في عصر
الناصر لدين الله (ت622هـ):
فكأنما الهور الطفوف
وأهله الـ
شهـداء وابن معية ابـن زياد
أنشد الشاعر بيته يوم حوصرت الهور
بعسف
الضريبة عليها من قبل الدولة، مع أن
الخليفة كان قريباً للتشيع، لكن الحملة جاءت ضد
علويين احتموا بالهور، مارسها هذه
المرة أحد السادة من أحفاد الرسول، نقيب صدر
الفراتية، وفي هذا البيت إشارة
واضحة إلى تشيع المنطقة في ذلك الوقت، فالشاعر وصفها
بالطفوف، ومفردها الطف، مكان شهد
مذبحة العاشر من عاشوراء أو محرم السنة 61هـ، وابن
زياد هو عبيد الله بن زياد المكلف
بقتل الحسين بن علي بن أبي طالب.
بعد أن أكمل
العرب السيطرة على البصرة ساروا
شمالاً حيث (دستميسان) ـ العمارة ـ ليحكموا السيطرة
على العراق. لكنهم عجزوا عن عبور
بيئة لا يدخلها إلا من له طبع الطيور والأسماك،
حينها قال قائدهم عتبة بن غزوان،
وهو ينظر إلى منابت القصب والبردي شمال البصرة:
"ليست هذه من منازل العرب"( )،
فاستبدال الحصان والجمل بزورق الهور الرشيق، والخيمة
بصريفة القصب ليس بالأمر الهيّن.
عبر ابن غزوان بهذه العبارة عن قدم الأهوار
وأهلها، لكن هذه الحادثة المروية
في أمهات التاريخ، وما ورد في الملاحم السومرية
(الخليقة وجلجامش والطوفان) من
تعريف بالأهوار لم ترق لباحثين وسياسيين تعصبوا ضد
هذه البيئة، التي يحلم الأوروبي
بنظرة منها.
وقصد الأهوار مستكشفون أوروبيون
عديدون، مَنْ أطال المقام، ومَنْ
ظل يتردد عليها بين الحين والآخر، وبعد انتهاء
مهمته يرحل بلا عودة، لكنه يتواصل
مع المكان عبر رسائل وكتابات وندوات. ولا يستغرب
أن أحدهم يفاجأ بصديق من أهل الهور
بلندن، كما حصل للإنكليزي (كافن يونغ). قال: "رن
هاتفي في لندن فرفعت السماعة لأسمع
صوتاً يقول بالعربية: (آنه) فالح بن جاسم! مَنْ؟
فقد بدا لي ذلك بدون معنى، إلى أن
أدركت فجأة أنه فالح الابن الثاني للشيخ جاسم،
فقلت: ماذا تعمل هنا في لندن؟
(آنه) مريض وجيت للعلاج؟"( ). ساعتها قام الرحالة
بواجب الضيافة والعناية على أتم
وجه. ولم ينس (الفريد ثيسيجر) أهل الأهوار، معرفته
بوجود الفنان كاظم خليفة، حفيد
أصدقائه آل خليفة من شيوخ العمارة، بلندن بادر إلى
الاتصال به ودعاه إلى أمسية قدمه
فيها إلى أصدقائه باعتزاز. ظل ثيسيجر حتى وفاته عن
عمر جاوز التسعين وفياً للأهوار،
ففي أيام تصاعد حملة النظام العراقي لتجفيفها قيل
أحتج بطريقته.
للأسف، أن ما كتبه عراقيون حول
الأهوار لم يرتقِ إلى مستوى
الحقيقة والمودة التي كتب بها
الأجانب، من (ثيسيجر) و(يونغ) و(دراوور) وغيرهم. جاء
كتاب شاكر مصطفى سليم "الجبايش"،
أقل من المرجو تجاه طبيعتها وأهلها، وما كتبه محمد
حامد الطائي في "إقليم القصب في
جنوب العراق" كان تحريضاً ضد بيئتها ولا يفصح إلا
عن تعصب وجهل بالمكان، فقد دعا إلى
تجفيفها لمد طرق السيارات، ظناً منه أن الهور
عبارة عن مستنقع من الماء الضحل!
نشأة الأهوار
من نظريات نشأة الأهوار "أن
أرض العراق قد تعرضت لحركة
إلتوائية في الزمن الجيولوجي الثالث، كان من جرائها أن
ارتفعت بعض الأجزاء مكونة مرتفعات
العراق الشمالية الشرقية، بينما حدث تقعر في
مناطق العراق الوسطى والجنوبية،
أدى إلى توغل مياه الخليج العربي لتغطي ذلك
المنخفض، الذي يمتد حتى مدينة
تكريت شمال بغداد بحوالي 170كم، ومدينة هيت على
الفرات في محافظة الأنبار. وبمرور
الزمن، وبفضل ترسبات الأنهار أخذ الخليج بالتراجع
تدريجياً، تاركاً خلفه نشأة سهل
رسوبي، أخذ ينمو على مر الزمن إلى أن أصبح بوضعه
الحالي في وسط العراق وجنوبه").
وفقاً لهذه النظرية: "أن رأس الخليج كان في عام
(4000) قبل الميلاد على مسافة
حوالي 96كم إلى الجنوب الغربي من مدينة بغداد، وأنه
كان عند موقع مدينة الناصرية
الحالية زمن السومريين، في الألف الثالث قبل الميلاد،
وكانت أور تقع عليه آنذاك".
كان هذا الرأي معروفاً لدى
الأهالي، فما سمعته أن
ميناء البصرة البحري كان شمالاً
بالناصرية. لكن هناك مَنْ يرى أن مدينة أور كانت
تقع على جرف الفرات مثلما اليوم.
يؤكد المنقبون الأثريون وجود "بقايا مشروع سد
قديم، ومعالم رصيف ميناء، وقد أقيم
هذا السد لتوزيع مجرى الفرات إلى فرعين". مقابل
هذا الرأي أعتقد (جورج رو) بحداثة
أكبر أهوار المنطقة هور الحمّار، أي أنه نشأ
بحدود العام 1870. دليله إلى ذلك،
أن بعثة (جيسني) التي قامت بدراسة أنهار العراق
في ذلك الوقت لم تفرد وصفاً للهور
المذكور، وأن ما ورد في كتاب البحرية البريطانية
حول فيضان نهر الغراف أشار إلى
خراب ضفاف الفرات حينذاك.
كشف أحمد سوسه خطأ
اعتقاد رو بالقول: "هذا لا يتفق
وواقع الحال للأسباب التالية: أن مهمة بعثة (جيسني)
كانت تنحصر في دراسة إمكانيات
الملاحة على أنهر العراق، وكان مجرى نهر الفرات
الرئيسي في زمن قيامها بهذه
الدراسة، أي بين 1835- 1837، يجري في الاتجاه القديم
بين سوق الشيوخ والقرنة، وكان
مجراه في هذا الاتجاه آنذاك من السعة، بحيث كانت تمر
فيه السفن والبواخر بسهولة، لذلك
لم تهتم البعثة بهور الحمّار، وقد حصرت دراستها
بمجرى النهر الرئيسي. أما ما جاء
في كتاب البحرية البريطانية من أن مياه فيضان شط
الغراف قد خربت ضفاف الفرات
اليمنى، على أثر انضمامها إلى مياه الفرات، فهذا الحادث
إن وقع فعلاً يكون قد أدى في
الحقيقة إلى تغيير مجرى الفرات من اتجاهه بين سوق
الشيوخ والقرنة إلى اتجاهه الحالي،
داخل هوّر الحمّار بين سوق الشيوخ وكرمة علي".
وأكد باحثون آخرون: "أن هوراً
كبيراً مثل هور الحمّار كان في العصور القديمة
يقع بالقرب من أور وأريدو". لقد
أوهمت آثار هذا الهور، بالقرب من المدن السومرية،
المنقبين الآثاريين بـ "اتصال
هاتين المدينتين بالبحر، وليس لأن حد ساحل الخليج كان
يصل إلى هذه المنطقة"). أما أهم ما
يخالف نظرية (رو) هو ما وثقه (ستيفن لونكَريك)
في كتابه "أربعة قرون من تاريخ
العراق" من حوادث بين العثمانيين واللاجئين في هور
الحمار في القرن الخامس عشر
الميلادي. عموماً، أن وجود آثار البردي والقصب كما ظهرت
في الأدب والفن السومريين لا يحتاج
إلى دليل على قدم المكان، حتى أن السومريين
جعلوا للأهوار والمياه العذبة
إلهاً خاصاً بها هو (آنكي).
أما أهل الأهوار فلهم
حكاياتهم حول نشوء المكان، تذكر
منها الباحثة الألمانية (هلبوش) حكاية سمعناها من
أفواه أهلنا، مع صعوبة التحقق من
موضوعيتها: "كان بالقرب من الجبايش (من قرى
الأهوار الكبيرة) نهر يعرف بشط
اليهود- ذكره الطبري، في خبر توجه الثوار الزنج سنة
262هـ إلى البطيحة ودستميسان
بقوله: النهر المعروف باليهودي)، وكان يسكن فيما مضى
بين المديّنة ( تصغير مدينة ناحية
شمال البصرة) والجبايش عدد من اليهود، وكانوا
يملكون حتى مائة سنة (أي 1858) خلت
أراضي واسعة، وكان بالقرب من الجبايش مكان يعرف
بالأكَرع يحيطه البردي من كل مكان،
أما اليوم فقد أصبح مكشوفاً يتكون من ماء عميق
وقصب، بعد أن كان البردي ينبت فيه
بكثافة".
حكاية أخرى تقول: "إن النار
الهائلة
شبت منها (المنطقة قبل أن تكوّن أهوار)
ولم يستطع الناس الذين أسرعوا على ظهور
الخيل إطفاءها، ثم اندفعت المياه
إلى هذا المكان قبل مائتي سنة". لم تمنع الآراء
السالفة الباحثة الألمانية، التي
عاشت في الأهوار حوالي سنة، الإفصاح بقدم المنطقة،
فقالت في المقال نفسه: "أن منطقة
الأهوار هذه كانت مسكونة منذ أقدم العصور
التاريخية، وكانت هدفاً لهجرات
مجموعات من الناس في أدوار ما قبل التاريخ، واستطاعت
أن تحافظ على عنصريتها، وأصلها
القديم الذي نجده اليوم". ويروي كبار السن من سكان
المنطقة، عبر الروايات المتواترة
عن الأسلاف، أن التلال المنتشرة في عرض الأهوار
كانت مزروعة بأشجار الفاكهة من
أعناب ورمّان، حتى ظنوا أن أسم منطقة (أبو سوباط) في
أطراف الجبايش هو من بقايا سوابيط
(عرائش) العنب.
لا ريب أن تاريخ الهور كاملاً
مزروعاً بالأعناب والفاكهة مجرد
تصور لا يزيد على الحلم بالجنة، فجزر الهور لا تصلح
لوجود البساتين أو الغابات لضيق
مساحتها، وغمرها سنوياً بمياه الفيضان، الذي يعرف
محلياً بـالزود أو الخنياب، فربما
زرعت بشجيرات لا غابات وبساتين. لقد تأثرت هلبوش
بتلك التصورات فراحت تقول: "يستدل
من التلول الآثارية الكثيرة الممتدة على شاطئ
الهور على أن أرض الهور كانت في
زمن ما بارزة ومزروعة تعج بالقرى والحياة الريفية".
على كل حال، أن الهور حسب مفهوم
أهله هو غابات القصب دون البردي، ولا يصلح للسكن،
فالساكن في مناطق البردي والحشيش
الأخضر والذاهب إلى مناطق القصب يقول: رايح للهور،
والذين يمسون في عمق الهور من أجل
جلب القصب نوع (التبارة) يدعون بالهوّارة، نسبة
إلى الهور.
في التراث الإسلامي
كان اهتمام المؤرخين والجغرافيين المسلمين بالأهوار
لطبيعتها المثيرة،
ولأنها ملاذ آمن للمعارضين والهاربين من السلطات. وتبدو رواية المؤرخ
البلاذري أساس ما ورد إسلامياً حول الأهوار أو البطائح،
جاء فيها: "فلما كان زمان
قُباذ بن فيروز أنبثق في أسافل كسكر (قرب واسط آنذاك) بثق عظيم،
فأغفل حتى غلب
ماؤة، واغرَّق كثيراً من أرضين عامرة، وكان قباذ واهناً، قليل التفقد لأمره، فلما
ولّي أنوشروان أبنه أمر بذلك الماء، فردم المسنَّيات حتى
عاد بعض تلك الأرضين إلى
العمارة. ثم كانت السنة التي بعث فيها الرسول عبد الله بن حذافة
السهمي إلى كسرى
أبرويز، وهي السنة السابعة من الهجرة.
ويقال السنة السادسة زاد الفرات
ودجلة زيادة عظيمة، لم ير مثلها، قبلها وبعدها، وانبثقت
بثوق عظام، فجدّ أبرويز أن
يكسرها فغلبه الماء، ومال إلى موضع البطائح، فطغى على العمارات
والزروع، فغرقت عدة
طساسيج، كانت هناك، وركب ك