أي حياة هذه أيها العزيز : سعود الناصري !

سهيل سامي نادر

لا أعرف حتى الآن السلسلة القرابية التي تربطني بسعود الناصري ، أظنه هو الآخر لا يعرف هذا بوضوح ، وعندما أفكر الآن عما إذا كان قد سأل الكبار من العائلة عن هذا الأمر ووجد الجواب ، فإني متأكد من أنه سريعا ما نسي الأمر، فهذا ما فعلته أنا نفسي ونسيت.
كانت صلتنا الحقة هي قدرتنا على النسيان، واللامبالاة الجميلة، والتهذيب، والخجل، والقلق ازاء الواجب . كنا، سعود ، واخي المرحوم سمير وأنا الأصغر منهما ، نضحك من ذلك الإرث العائلي الذي لا يعلم به أحد، ولا يبالي به احد ، غير الجدات والامهات اللواتي أصبحن مبكرا عجائز بسبب الضيم والقهر، فرجالنا بالغوا بعدم الاهتمام، بالغوا بغيابهم وانشغالاتهم الذهنية والسياسية الممتازة، كما بالغت الحياة معهم بالبخل والمتاعب ، وتركوا للنساء مهمة أن يجمعن جذرا ذهب الى اماكن غريبة ومتباعدة .

كان قد صعد جبلا مرة، ومرة تلقى جبلا متصدعا بأصابع حل بها الرحمن، وكان يهاجر ليرجع، وكان هنا وهناك، وبين هنا وهناك، مرة في البصرة، ومرة في الناصرية، ومرة في الرفاعي، ليقفز الى السليمانية وينزل الى مندلي ثم يصنع قوسا راميا حده الثاني في عنة . كانت هذه الأمكنة تشكل في الحقيقة وطننا العراقي الذي أحببناه وأخلصنا له، والمفارقة أن الرجال الذين عانوا من حبه والنضال من اجله كل على طريقته، حافظوا على صمت رجولي كئيب وانكفأوا على أسرارهم. النساء ليس الا أشرن اليه ونقشنه في ذاكرتنا. كن في مقدمة الصورة والرجال في الخلف، وهن الحزينات من قبض على قصة صيرورتنا احفادا لرجال غائبين. ولقد ذهبن، على نحو ما، أبعد من زمن المعلم سامي نادر والصحفي عبد الرزاق الناصري ، حتى أبعد من جد سعود عبد العزيز - القاضي الملقب بخطيب الفراتين، أعقد من المرح الذي حام حول عبد الرزاق حسن الذي كان شتاما من الطراز الاول، وأكثر غرابة في المصير من أخيه مهندس اذاعة قصر الزهور الذي هاجر الى المانيا ومات هناك بعد عمر طويل.
كانت الحبكة الروائية النسائية المليئة بأحزان تصرع الدببة ، تستطلع لنا الطريق في غدنا الغامض كثير الاغراء. وكان الماضي يأتي بصحبة الماضي، يخرج من جيوب جداتنا مع قليل من الجوز والزبيب، وكنا نرده الى لون من الوان السحر الشعبي الاسود والابيض ، وكنا نخاف أن نصدق ، ثم كنا نعتمد على اعمارنا الغضة فلا نصدق ، بل ونتهكم.
لقد جسد سعود عندي ، منذ الصغر ، ما كنت أشعره ازاء نفسي بوصفي شبيه باليتيم فاقد الأب ، وكل يتيم تربيه امرأة تزرع فيه الحنان والمخاوف. يتيم يطور استعداده لكي يحيا حرا ، ولكي ينفصل من دون أن يؤذي أحدا. يتيم حلف مرة وهو يبكي ، أنه لن يحتاج أحدا، وأن عليه أن يصبح شيئا ما. لكن سعودا كان أكثر صبرا مني ، أقل تطلبا ، أكثر قدرة على تهريب مشاكله الخاصة ونسيانها ، وأقل ثرثرة في الحديث عن نفسه ، ويصدق أحداث حياته واختياراته في حين كنت منذ الصغر أعيش عبثيات عدم تصديق جذرية جعلت مني مهذارا صاخبا مغطيا على احتياجاتي وخجلي . كنت أعيش الحياة كأنني أجرب ذكائي وأختبره، في حين كان سعود هادئا يكاد يهمس حين يتحدث، وكان يترك عينيه الصغيرتين الملونتين وغمزاتهما التي كان وجهه كله يشترك فيها تتكفلان بنقل ما لا يقوله أو معوضا عن عسرة لسانه. كان يستمع لي بجد واهتمام وانا أسرد عليه حالاتي الملفقة. وكنت بين الحين والحين أقول لنفسي: لو كنت محله لضربت هذا المتبجح! لكن سعود المؤمن بالعلم منذ الصغر، الحكيم، والواقعي، يواصل عملية فهمي بصبر. وعندما ييأس مني يؤشر بيديه ويبدو كما لو أنه اكتشف شيئا، ثم تند منه نفخة أوبو خفيفة مختلطة بنقرة طبل، ويدعوني أن أكمل، وهذا يعني أن نبدأ أنا وهو بتشكيل فرقة سمفونية والانتهاء من الكلام، فأستجيب بسرعة معتوه ويتغير الحال، فقد بات كلامه سحبة كمان جهيرة بينما كنت أستعد للعزف بآلات النفخ الهوائية في لحن سريع ومنطلق، بهيج وحزين.
منذ تلك الايام بات مؤكدا أن سعود الناصري سيصبح موسيقيا، وبالفعل فقد درس الموسيقى في معهد الفنون الجميلة، وتعلم العود، وبدأ التلحين مبكرا، وما كان مني أن أتوقع أنه سيرث مهنة أبيه الصحفي كذلك. وكنت أود لو التحق به لولا إنني كنت ارسم لنفسي سقوفا مرتفعة قد لا يطولها بتهوفن نفسه. ما زلت حتى الآن اؤلف سمفونياتي وأعزفها في فمي، وأسمع بين الحين والآخر ترجيعات سعود الجوابية الحبيبة.
مبكرا جدا كان علينا أن ننتقل من اختيار الى آخر مدفوعين بالخجل والتورط والاحساس بالعزلة. في عام 1957 حدثت ظروف أجبرتني الانتقال للعيش معه في بيت امه الرائعة . كنت أموت من الخجل ولهذا لم اكن ادخل البيت إذا لم يكن سعود معي، كان وهو في بيت امه يشعر بالغربة فكيف حالي أنا؟ كان آنذاك يعمل في المطار المدني، وكان بين اسبوع وآخر يقضي ليلة كاملة خفيرا، وكنت بدلا من ان اعاني من خجل مضاعف في بيت امه الكريم، أقضي ليلتي معه في المطار. كان هذا اجمل حدث لي وأنا في شبابي الاول . كنت أحدثه بجنون عن الطائرات الهابطة، واحتكاك صوت عجلاتها بالارض، وأصوات المرشدين في الغرفة الزجاجية يخاطبون الطيارين: روجر .. روجر . ثم الركاب الذين كنت أراهم متعبين سعداء نظافا يبتسمون ابتسامات ملائكية. كان يكتفي بهز رأسه أو يعلق وهو يحدق بعيني : انت مخبل! وكنت أفكر أي مخبل هذا لا يبالي بوجوه الركاب الجميلة المصدوعة؟ وهل هو مخبل هذا الذي يفكر بالاحتفاظ بوجه واحد في ذاكرته ويراهن على أن يلتقي صاحبه بعد عشرة اعوام وسيقنع نفسه أنه عرفه ؟ كان سعود الناصري مشغولا بحك السحر وازالته وكنت مشغولا باضفائه على الاشياء والحوادث بكميات كبيرة. كان بالطبع اكبر مني، لكنه كان يبالغ بحكمته ورصانته وبطء استجابته. كان على أية حال قد تدرب على الخجل مع استعداد خفي بالتملص في اللحظة الأخيرة.
في عامي 1960 و 1961 تبادلنا الادوار جزئيا، وستجبره ظروف الى المبيت في بعض الليالي في بيتنا الذي كان عبارة عن شقة في الكرادة داخل . كان يأتي بعد منتصف الليل ويعاني امام الباب في دق الجرس، وعندما يتغلب على هذه المحنة يدق الجرس على نحو يبدو معه أن شخصا ما صعق بالكهرباء وراء الباب، وكان يسمع صوت سعلة سيكولوجية. وكنت او اخي سمير، وأحيانا أمي أو أبي، نتعجل لانقاذه، فيدخل متأتئا ينظر الى وجوهنا المرحبة . هو دائما مرحب به.
ويسافر سعود الناصري الى موسكو للدراسة ، وتمر مطحنة 8 شباط 1963، وأنتهي انا من احلامي وجنوني . كان الخجل واحدا من مصادرنا الخلقية ورصيدنا من تربية كانت تقدمية من حيث الأهداف لكن كانت تحاسب على اصغر الأخطاء ، بعد المذبحة انضاف الى الخجل الخوف والشعور بالتعب الشديد والرغبة في الاختفاء . كنت بين الحين أسمع سعود يغني من راديو موسكو وأتخيل غمزاته تغني معه، وكنت لا أصبر على الالعاب السوفيتية وأضحك من قصة العامل القرغيزي الذي حاز على جائزة لينين لانه زاد الانتاج!
عندما رجع الى الوطن بدا لي ان سعود الناصري كان مخضخضا بسياسة كان الشيء الواضح منها أنها تكتب اشعارا الى الوطن تكلف المرء حياته. وما كان أي شيء واضح . سياسة لا تتركك لمواهبك ولا تستفيد من المواهب . ولأول مرة رأيته متمردا على السياسة القديمة التي أهدرت طاقات الناس عبثا. لكن أين الهرب هذه المرة؟ كان يأتي كل يوم تقريبا في بيتنا في القاهرة وقد عرفته على مناضلين فلسطينيين استطاعوا مساعدته في السفر والعودة الى موسكو. وأظنه تعلم في هذه المرة ان يكون اقل جدية. عيناه بدتا في تلك الفترة مذعورتين مليئتين بأسف لا فائدة منه. لكنه حافظ على طراوة هيئته وحلاقته اليومية ورائحة حلوة كانت تنبعث منه حين يتحرك.
لا ادري متى بدأت دورة العمل الجديدة كان سعود الناصري فيها مسؤول الصفحة الأخيرة لجريدة الجمهورية وكنت انا محررا في صفحة آفاق الثقافية؟ في تلك المدة بدا لي ان سعود اجتاز عتعتة المخاوف وبات يحرص على العيش كما يريد : لقد اعتاد!
أذكر أنه كتب عددا كبيرا من الأعمدة عن الاغنية العراقية مطولة بعض الشيء مدفوعة بنفس اخلاقي وفني تأكيديين . سألني عن رأيي فأجبته باجابة ملتبسة. قلت: الموضوع معقد! كان المعقد في الموضوع هو عدم وجود سلام مؤكد، ثم الاشباح الذين كانوا يتربصون بنا. تولد الأغاني وترحل، تتجدد أو ترجع، تتساخف أو تتباطأ أو تتسارع. ما من قانون هنا . لكن الثقب الاسود هناك .. هناك.
في تلك الايام كنت أحمل لقب شيخ اليائسين : أي أغان يا حبيبي سعود!
وسرعان ما أطيح بي وبسعود وعدد من افضل صحفيي الجمهورية. نقلونا بقرار من مجلس قيادة الثورة، هو الى وزارة الصحة وانا الى المواصلات.
ولم أر سعود منذ عام 1978 حتى عام 2003 حين كان في مستشفى بشارع المغرب . كان ينتظر متبرعا للكلية لكن صحته تدهورت وفر من الحالة العراقية التي يصبح فيها غسل الكلية يكلف المرء حياته. كل شيء في العراق يكلف المرء حياته.
المرة الثانية التي رأيته فيها عندما زرته بمعية السيد فخري كريم في قبو كئيب بمنطقة ركن الدين أجرته زوجته بعد اجراء عملية زرع كلية له . كنا جميعا نضع اقنعة طبية في مكان غير صحي. وسألني العزيز عن صحتي. كنت خائفا عليه ، وكنت ارجو الله ان تمر هذه الايام بسلام.
المرة الثالثة الذي رأيته فيها كان في كفنه وكنت أقرأ خطوط التقوسات في ساقيه الطويلتين عندما اخرجوه من التابوت. توجهت اليه عندما أنزلوه الى قبره وخاطبته: بلغ سلامي الى صديقك الجميل سمير سامي نادر، أخي وحبيبي.
ومن دون وعي مني وجدتني أفكر بأن جسد هذا البار، هذا المناضل التقدمي، توحي لي بالسياسة الوحيدة التي لم يفشل بها تقدميو العراق ، وهي انهم استحقوا الاسم الحقيقي لاسلام روحي غير طائفي، يقيم وزنا للحرية والسعادة والحق بالحياة والعمل والكرامة. لقد كان تقدميو العراق ولا زالوا يخجلون من ردهم الى طوائفهم، وقد التزموا دائما احترام حرية الناس في دينهم.
سعود عبد الرزاق عبد العزيز الناصري، حفيد خطيب الفراتين وقاضي المحكمة السنية في البصرة دفن في مقبرة الغرباء في السيدة زينب . وقاد الصلاة على روحه رجل دين شيعي. أبدا لا التباس . ابدا لا خطأ. من يقول بغير هذا ينسى الحد الوجودي الذي يقيم له الاسلام وزنا على نحو جد بديهي وجد حقيقي .
لولا هذا الزمن الرديء ما كنت أكتب الكلمات الاخيرة . في هذا الزمن يلقننا الموتى بعض الدروس الحية.

*******

الناصري في سطور

ولد في البصرة في حزيران عام 1939
-
درس الموسيقى في معهد الفنون الجميلة أواسط الخمسينيات، وهناك بدأ الوعي السياسي بالتبلور.
-
اشرف على مجلة صوت الطلبة التي تصدر عن الاتحاد العام لطلبة العراق.
-
بدأ نشاطه الصحفي عام 1957، انتمى الى نقابة الصحفيين منذ تأسيسها عام 1959 .
-
عمل في صحف (البلاد) و (الرأي العام) و (الجمهورية) واذاعة بغداد .
-
حصل على دبلوم في العلوم الفلسفية، والماجستير في الصحافة من جامعة موسكو عام 1968.
-
كان مسؤولاً عن تحرير الصفحة الاخيرة في جريدة الجمهورية حتى عام 1978 .
-
غادر العراق مثل غيره من مثقفي العراق بسبب سياسة القمع والاستبداد عام 1978 .
-
استقر في منفاه القسري في موسكو حيث عمل مشرفاً على الترجمة الى العربية في جريدة (انباء موسكو) من 1978- 1984 .
-
كان عضواً مؤسساً لرابطة الكتاب والصحفيين الديمقراطيين عام 1980 .
-
استقر بعد ذلك في لندن ممارساً نشاطه الاعلامي والثقافي.
-
آخر نشاط اعلامي اصدار صحيفة (الابيض) وهي صحيفة نصف شهرية.
-
توفي في احدى مستشفيات دمشق اثر مضاعفات عملية لزرع الكلية.

*******

المدى

دفاتر