جمال وسط الظلام
ناجح المعموري
اهتزت مدينة
الحلّة فجر يوم الاثنين 25/ 6
بانفجار قوي جدا لم يتوقف، بل ظل متتابعا وتموجيا
. وعاشت المدينة سكوناً في فجرها
ولحظات ابتداء صلتها بالحياة وبآمال وأحلام تضع حداً
لمشاهد الموت / والقتل وضياع السلم
الأهلي وتعقد عناصر الأمان الاجتماعي وتسربت
أخبار الانفجار سريعة وعوت سيارات
الإسعاف التي ما زال صوتها مثيرا للحزن والأسى،
لأن صوت الإسعاف علامة على حصول
مأساة فردية أو جمعية . وكان لنا موعد في اليوم
نفسه مع ورشة تواصل للثقافة
المسرحية في مدينة الحلّة وأخذتني مخاوف تعطل العرض
بسبب كارثة الانتحاري الذي فجر
سيارته قرب سيطرة بناية المحافظة .
واتصلت
للاطلاع والتأكد من بقاء العرض
وشعرت بشيء من الزهو على الرغم مما قدمته المدينة في
فجرها من شهداء وجرحى هم ضحايا
الإرهاب والظلام . وفعلا كان موعدنا مع الدراما
الصامتة “عوالم الذاكرة” تأليف
وإخراج بشار عليوي، الذي اضطر في اللحظات الأخيرة
لان يكون بديلاً للفنان احمد
إبراهيم الذي استشهد في الانفجار بعد انتهاء واجبه
الرسمي . وانتصر الجمال والفن ولم
يستطع الإرهاب تضييق مساحة الإبداع والتلقي بما
نفذه، فتوافد الأدباء وجمهور واسع
من الفنانين والعوائل لمشاهدة العرض الصامت وشعرت
بالسعادة لمشاهد التنوع بين
الحاضرين ويقظتهم لمتابعة العرض والبقاء وقتاً أطول
للاستماع للملاحظات النقدية
والتعقيبات التي أشارت إلى ما ينطوي عليه العرض من
دلالة حضارية / انسانية، لأن
الجمال أزلي وباقٍ الى الأبد ولم يتمكن القتلة
والإرهابيون من إفساد متعتنا
بالجمال والإصرار على البقاء ومقاومة جيوش الظلام وأنا
واثق بأن مساحة الظلام تتسع،
لكنّها حتما منحسرة ولن يستطيع الظلام حجب الجمال عن
فضاءات المحبة
.
هذا ما حصل مساء الاثنين ليؤكد على
الرغم من بساطته إن الحلّة
مدينة لا تفرط بجوهرها الثقافي /
والفني، لأنها مكونة عليه وشاخصة به ومن خلاله، هي
مدينة تنوعها واضح وعلاقة الناس
فيها مع الثقافة / الفن / المعرفة مصيرية وهناك
أسباب كثيرة لهذه الآصرة والعلاقة
أهمها فعالية ذاكرتها الحضارية صوغ الأبناء لأرث
ثقافي معروف يمثل مأثرة إنسانية
معروفة للجميع .
ولأن الحلّة ما زالت تردد وصايا
جيل من الرموز ـ احمد سوسة ـ طه
باقر ـ سامي سعيد الأحمد ـ علي جواد الطاهر ـ مهدي
البصير ـ محمد الباقر ـ رؤوف جبوري
ـ يوسف كركوش . . الخ فإنها باقية، يقظة حيّة
وكل من هذه الكوكبة يمثل خلية ما
زالت حيّة في جسد الحلّة .
ومن هنا ظلّت وظائف
المدينة الثقافية حاضرة ووسط أصعب
الظروف وأخطرها . تحية لفرقة تواصل وللبيت
الثقافي لأنهما عبرا بإصرارهما على
تقديم العرض عن وظائف جديدة للثقافة والفن، حتى
تتسع مساحة الجمال وتضمر وتتقلّص
مساحات الظلام .
*******
المدى